البحر أنفو – 09/05/2026 في أسواق السمك، لا تُقاس المعارك دائماً بمن يرفع صوته أكثر، ولا بمن يملأ الفضاء بالشعارات والبيانات الغاضبة. أحياناً، أكثر الهزائم فداحة هي تلك التي يتوهم أصحابها أنهم انتصروا فيها. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم في تجارة السمك والتعامل مع الإجراءات الجديدة التي اعتمدها المكتب الوطني للصيد البحري بخصوص “الدفع المسبق” وكأنهم أسقطوا الإدارة في كمين أو أرغموها على التراجعن، بينما الواقع أعمق وأقسى من هذا الوهم الجماعي الذي يتم تسويقه داخل المقاهي والموانئ والهواتف المغلقة.
الحقيقة التي يرفض البعض مواجهتها، أن زمن شراء المنتوجات البحرية بالشيكات العادية، وترك الإدارة تطاردو سراب الأداءات المؤجلة، قد بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة. فالدولة، مهما كانت مرونتها، لن تجد أي مسؤول مستعداً للمغامرة بمساره الإداري أو القضائي داخل متاهة معاملات مالية هشة، تُدار أحياناً بمنطق “الثقة” أكثر مما تُدار بمنطق الضمانات القانونية والمالية.
إن القرار ليس نزوة إدارية عابرة، ولا مجرد إجراء تقني قابل للتجميد كلما ارتفع منسوب الاحتجاج. بل هو تحوّل حتمي فرضته سنوات طويلة من الفوضى المالية، ومن نزيف الحقوق، ومن ثقافة الهروب إلى الأمام التي جعلت البحّار الحلقة الأضعف دائماً. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن يكون التاجر شريكاً في تثمين المنتوج البحري وضمان استقرار الدورة الاقتصادية، تحوّل بعضهم إلى تدوير الديون والوعود والشيكات المؤجلة.
الأخطر من ذلك، أن بعض الأصوات تحاول تصوير الأمر وكأنه معركة بين الإدارة والتجار، بينما الحقيقة أن المعركة الحقيقية هي بين من يريد بناء اقتصاد بحري واضح المعالم، ومن يريد الإبقاء على سوق رمادية تُدار بمنطق العلاقات والالتفافات والتأجيلات القاتلة.
لكن، ورغم وضوح الرؤية إلى حدود الساعة، فإن الإشكال الحقيقي لم يعد مرتبطاً بمبدأ “الدفع المسبق” في حد ذاته، بل بقدرة السوق على التأقلم مع هذا التحول، خاصة خلال مواسم الأخطبوط التي تعرف دينامية مالية ضخمة وضغطاً يومياً رهيباً على عمليات الشراء والتفريغ والنقل والتصنيع.
فخلال هذه المواسم، تتحول موانئ الجنوب، من الداخلة إلى العيون وبوجدور وطانطان، إلى شرايين ضخمة تضخ آلاف الأطنان من المنتوجات البحرية نحو الوحدات الصناعية بمدينة أكادير والمدن الأخرى. وهي رحلة لوجستيكية معقدة لا تقل مدتها عن يومين، قبل أن تصل الشاحنات إلى وجهتها، لتدخل بعدها في طوابير الانتظار والاكتظاظ أمام الوحدات الصناعية، حيث قد يستغرق تفريغ الحمولة ومعالجتها أياماً إضافية.
وهنا بالضبط يظهر الوجه الحقيقي للأزمة. فالتاجر مطالب بالدفع المسبق بشكل يومي، بينما أمواله تبقى معلقة بين الطرقات، والشاحنات، وأرصفة المصانع، ودورات الأداء الطويلة للوحدات الصناعية. أي أننا أمام دورة مالية مختنقة تحتاج إلى سيولة ضخمة ومتواصلة، لا يمكن لأي تاجر متوسط أو حتى كبير أن يتحملها وحده بشكل دائم.
ومن هنا، يصبح تدخل المؤسسات البنكية ليس مجرد خيار، بل ضرورة اقتصادية ملحّة. فالمطلوب اليوم هو خلق آلية تمويل ذكية، تُواكب التحول الجديد، عبر تمكين التجار من خطوط تمويل مضمونة من طرف الوحدات الصناعية المستفيدة من الأسماك. بمعنى آخر، أن تتحول البنوك إلى شريك فعلي في الدورة التجارية البحرية، بدل أن تبقى متفرجاً على أزمة سيولة تهدد استقرار السوق بأكمله.
فإذا توفرت الضمانات البنكية، وتم ربط التمويل مباشرة بالعقود التجارية والوحدات الصناعية، فإن جزءاً كبيراً من الإشكال سيجد طريقه نحو الحل. غير أن العقدة الثانية، والأكثر تعقيداً، تبقى مرتبطة بما يُعرف بقانون “البيع الثاني”، الذي أصبح اليوم يشكل حجر عثرة حقيقياً أمام ضمان الحقوق المالية لتجار البيع الأول، ويخلق حالة من الضبابية داخل مسار المنتوج البحري بعد خروجه من الدلالة الأولى.
ولهذا، فإن المكتب الوطني للصيد البحري أصبح اليوم أمام مسؤولية تاريخية لا تحتمل التأجيل، تتمثل في إخراج هذا القانون إلى الوجود بشكل واضح وصارم، حتى تكتمل الحلقة القانونية والمالية للدورة التجارية البحرية، ويتم قطع الطريق على كل أشكال التلاعب والتهرب والبيع الموازي الذي أنهك السوق لسنوات.
لقد انتهى زمن التجارة العائمة فوق الفراغ. وما يحدث اليوم ليس حرباً كما يعتقد البعض، بل مخاض مؤلم لولادة سوق بحرية جديدة، أكثر قسوة على المضاربين، لكنها أكثر عدالة للبحّار، وأكثر أماناً للاقتصاد، وأكثر وضوحاً للدولة. وفي مثل هذه اللحظات، لا ينجو الأقوى صوتاً، بل ينجو الأكثر قدرة على التأقلم مع قواعد اللعبة الجديدة.