عاجل
23 مايو 2026 على الساعة 17:57

الكربون الأسود يهدد القطب الشمالي.. وانبعاثات السفن تتجاوز سرعة القوانين الدولية

البحر أنفو – 23/05/2026 الكربون الأسود يهدد القطب الشمالي.. وانبعاثات السفن تتسارع أسرع من قدرة القوانين الدولية على المواجهة متابعة:

في الوقت الذي تواصل فيه المنظمة البحرية الدولية اجتماعاتها ومفاوضاتها المطولة حول مستقبل إزالة الكربون من قطاع الشحن البحري، تكشف الوقائع الميدانية في القطب الشمالي عن سباق خطير بين تسارع التلوث البحري وبطء الاستجابة التنظيمية الدولية، وسط تحذيرات متزايدة من تنامي انبعاثات “الكربون الأسود” الناتجة عن السفن العاملة بالمياه القطبية.

فبحسب بيانات حديثة نشرتها “تحالف القطب الشمالي النظيف”، فإن انبعاثات الكربون الأسود الناتجة عن الملاحة البحرية داخل مناطق “المدونة القطبية” التابعة للمنظمة البحرية الدولية، ارتفعت بشكل شبه ثلاثي خلال الفترة الممتدة ما بين 2019 و2024، بعدما انتقلت من 259 طناً مترياً إلى 759 طناً مترياً، في مؤشر وصفه خبراء البيئة البحرية بالمقلق والخطير.

ولا يتعلق الأمر، وفق المتخصصين، بمجرد أرقام تقنية مرتبطة بالتلوث الجوي، بل بواحدة من أخطر الظواهر المناخية المؤثرة مباشرة على التوازن البيئي في القطب الشمالي، بالنظر إلى أن جزيئات الكربون الأسود الناتجة عن احتراق الوقود البحري تترسب فوق الجليد والثلوج، ما يؤدي إلى تقليل قدرتها على عكس أشعة الشمس وتسريع وتيرة امتصاص الحرارة وذوبان الجليد.

وتشير الدراسات المناخية إلى أن الكربون الأسود يمتلك قدرة تسخين تفوق ثاني أكسيد الكربون بما يصل إلى 1500 مرة بالنسبة لوحدة الكتلة، الأمر الذي يجعل من تنامي انبعاثاته في المناطق القطبية تهديداً مباشراً للمنظومة المناخية العالمية، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة التي يعرفها القطب الشمالي خلال السنوات الأخيرة.

ويرى مراقبون أن السبب الرئيسي وراء هذا التصاعد يعود إلى الانفتاح التدريجي للممرات البحرية القطبية بفعل ذوبان الجليد، وهو ما شجع شركات الشحن وناقلات النفط والسفن السياحية على توسيع نشاطها بالمياه الشمالية، خصوصاً عبر “الممر البحري الشمالي” الذي بات يستقطب اهتماماً متزايداً باعتباره طريقاً أقصر بين آسيا وأوروبا.

وتؤكد المعطيات أن عدد السفن التي دخلت المنطقة القطبية ارتفع بنسبة 37 في المائة ما بين 2013 و2024، بينما تضاعفت المسافات المقطوعة داخل هذه المياه أكثر من مرتين، ما يعني ببساطة مزيداً من السفن ومزيداً من الوقود المحترق ومزيداً من الانبعاثات داخل أحد أكثر النظم البيئية هشاشة في العالم.

ورغم أن الدورة الرابعة والثمانين للجنة حماية البيئة البحرية التابعة للمنظمة البحرية الدولية “MEPC 84”، التي انعقدت بلندن نهاية أبريل الماضي، أفرزت مجموعة من التفاهمات المرتبطة بإطار “الحياد الكربوني” للقطاع البحري، فإن عدداً من الخبراء يعتبرون أن الإجراءات الحالية ما تزال أبطأ من حجم التحديات المطروحة على أرض الواقع.

ومن بين أبرز القرارات التي تم اعتمادها خلال الاجتماع، المصادقة على إنشاء منطقة جديدة لمراقبة الانبعاثات بشمال شرق المحيط الأطلسي، تشمل المياه القريبة من سواحل غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة وفرنسا وإسبانيا والبرتغال، حيث سيتم ابتداءً من سنة 2027 فرض معايير أكثر صرامة على نسبة الكبريت وانبعاثات أكاسيد النيتروجين بالسفن.

غير أن المختصين يؤكدون أن معالجة الكربون الأسود تختلف جذرياً عن معالجة انبعاثات الكبريت، لأن أصل المشكلة يرتبط أساساً بجودة عملية الاحتراق داخل المحركات البحرية، وليس فقط بنوعية الوقود المستخدم.

فالكربون الأسود ينتج بالأساس عن الاحتراق غير الكامل للوقود، ما يعني أن كفاءة المحركات وصيانتها وجودة أنظمة الحقن والتشحيم والتوربينات تلعب دوراً محورياً في حجم الانبعاثات، حتى عند استعمال أنواع وقود أقل تلويثاً.

وفي هذا السياق، أظهرت تجارب حديثة أجرتها شركة “MSC Cruises” بتعاون مع شركة “Enilive” الإيطالية، إمكانية تقليص الانبعاثات بشكل ملموس عبر استخدام وقود نباتي معالج “HVO” داخل المحركات الحالية دون الحاجة إلى تعديلات تقنية كبرى، حيث سجلت التجربة انخفاضاً في انبعاثات أكاسيد النيتروجين بنسبة 16 في المائة، إلى جانب تقليص كبير في الجزيئات الملوثة والانبعاثات الكربونية.

ويرى خبراء الصناعة البحرية أن هذه النتائج تؤكد أن تحسين جودة الاحتراق والصيانة التقنية للمحركات يمكن أن يشكل حلاً فورياً وعملياً لتقليص التلوث البحري، بعيداً عن انتظار الانتقال الكامل نحو أنواع الوقود المستقبلية مثل الأمونيا والهيدروجين والميثانول الأخضر، وهي التحولات التي قد تستغرق عقوداً طويلة قبل تعميمها على الأسطول التجاري العالمي.

وفي ظل هذا الواقع، تتزايد الدعوات داخل الأوساط البيئية والبحرية إلى ضرورة الانتقال من مرحلة النقاشات الدبلوماسية البطيئة إلى إجراءات عملية عاجلة، خاصة وأن القطب الشمالي يشهد بالفعل تغيرات متسارعة تتجاوز إيقاع المفاوضات الدولية.

ويجمع المتابعون على أن التحدي الحقيقي لم يعد مرتبطاً فقط بصياغة استراتيجيات مستقبلية لإزالة الكربون، بل بمدى قدرة قطاع الشحن البحري على تحسين كفاءة محركاته وتقليص الانبعاثات الحالية بشكل فوري، حمايةً للبيئة البحرية وضماناً لاستدامة أحد أكثر الأقاليم حساسية في العالم أمام تداعيات التغير المناخي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *