عاجل
23 مايو 2026 على الساعة 18:08

منارة أركيبرس بالداخلة : قرن من الإرشاد البحري يفتح باب التثمين السياحي والثقافي..صرح بحري تاريخي يترقب تحولاً استراتيجياً في قلب الأطلسي

البحر أنفو – 23/05/2026 منارة أركيبرس.. حارس الأطلسي الصامت يتهيأ لبعث جديد فوق سواحل الصحراء المغربية متابعة:

على مشارف خليج الداخلة، حيث يلتقي صخب الأطلسي بامتداد الصحراء الهادئة، تقف منارة أركيبرس شامختة منذ أكثر من قرن، كحارس حجري يراقب البحر دون أن يشيخ. هذا الصرح التاريخي الذي يبلغ ارتفاعه 86 متراً فوق سطح البحر، والمخطط بعناية بخطوطه البيضاء والسوداء المميزة، ظل منذ سنة 1916 علامة مضيئة تهدي السفن وتؤرخ لمرحلة طويلة من تاريخ الملاحة البحرية على السواحل الجنوبية للمغرب.

لكن خلف هذا الصمت المهيب، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل. فوزارة التجهيز والماء أطلقت دراسة استراتيجية لإعادة الاعتبار لهذا المعلم البحري الفريد، في محاولة لفتح صفحة ثانية من تاريخه، دون المساس بروحه أو بوظيفته الأصلية كمنارة ملاحية لا غنى عنها في تأمين حركة الملاحة بالمحيط الأطلسي.

المنارة التي شيدت في الأصل خلال فترة الإدارة الإسبانية، وتحمل اسمها التاريخي “أركيبرس”، تم تعويضها سنة 1968 بهيكلها الحالي الأكثر صلابة وعلواً، لكنها لم تفقد مكانتها كأحد أبرز المعالم البحرية في إفريقيا الأطلسية. ومنذ ذلك الحين، وهي تواصل عملها في صمت، تقف على حافة البحر كرمز للاستمرارية بين الماضي والحاضر.

اليوم، لم يعد السؤال يتعلق فقط بوظيفة المنارة التقنية، بل بما يمكن أن تكون عليه في المستقبل. دراسة التثمين التي أطلقتها المديرية الإقليمية للتجهيز والنقل واللوجستيك بالداخلة، تفتح الباب أمام تصور شامل يعيد التفكير في علاقة هذا المعلم بمحيطه الطبيعي والإنساني، في أفق تحويله إلى فضاء ذي بعد ثقافي وسياحي وعلمي، دون التفريط في طابعه التاريخي أو في دوره الحيوي في الملاحة البحرية.

وتقوم منهجية الدراسة على مرحلتين أساسيتين. المرحلة الأولى تروم تشخيصاً دقيقاً وشاملاً لوضعية الموقع، من خلال زيارات ميدانية، وتوثيق بصري ومعمق، وتحليل دقيق للولوجيات والبنيات التحتية والمخاطر البيئية المحيطة، إضافة إلى دراسة النظم الإيكولوجية التي تحتضن هذا المعلم الفريد. كما تشمل هذه المرحلة فتح باب التشاور مع مختلف الفاعلين، من سلطات محلية ومؤسسات عمومية وساكنة، بهدف استحضار التطلعات والانتظارات المرتبطة بمستقبل هذا الفضاء الرمزي.

ولم تغفل الدراسة البعد المقارن، إذ سيتم استحضار تجارب دولية ناجحة في تثمين المنارات البحرية، خاصة في فرنسا وإسبانيا وإيرلندا وغيرها من الدول التي حولت هذه المعالم إلى فضاءات ثقافية وسياحية نابضة بالحياة، دون أن تفقد وظيفتها الأساسية كإشارات ملاحية.

أما المرحلة الثانية، فستكون أكثر حسماً وجرأة، حيث سيتم اقتراح على الأقل سيناريوهين أو أكثر لإعادة تأهيل وتثمين المنارة، مع تحليل دقيق لنقاط القوة والضعف والفرص والتحديات. وستشمل هذه التصورات تحديد استعمالات مستقبلية محتملة، مثل فضاءات الاستقبال، ومسارات الزيارة، وحدائق مهيكلة، ونقاط مشاهدة بانورامية تطل على المحيط الأطلسي والبيئة الصحراوية المحيطة.

غير أن كل هذه الرؤى، مهما اختلفت، ستخضع لثوابت لا يمكن تجاوزها: الحفاظ على السلامة الإنشائية للمنارة، وعدم المساس بوظيفتها الملاحية، وصون قيمتها التاريخية والمعمارية، ثم احترام التوازن البيئي الدقيق للمجال الساحلي الذي تحتضنه.

وتتعدد السيناريوهات المطروحة بين تحويل المنارة إلى متحف بحري يوثق لتاريخ الملاحة على السواحل الإفريقية، أو فضاء ثقافي وتعليمي يفتح أبوابه للباحثين والطلبة، أو حتى موقع سياحي فريد يقدم تجربة إقامة استثنائية فوق الأطلسي، حيث يلتقي الأفق بالذاكرة، والبحر بالتاريخ. كما تبرز أيضاً أفكار لإنشاء فضاءات علمية لرصد التحولات المناخية والهجرة البحرية، أو تنظيم أنشطة ثقافية محدودة تحترم قدسية المكان وخصوصيته.

وفي كل الأحوال، فإن الهدف لا يقتصر على إعادة تأهيل بناية تاريخية، بل يتجاوز ذلك نحو إعادة إحياء ذاكرة بحرية عميقة، ظلّت لعقود طويلة جزءاً من هوية الملاحة في الجنوب المغربي، وشاهدة على تحولات كبرى عرفها الساحل الأطلسي.

وخلال أربعة أشهر فقط، ستسعى هذه الدراسة إلى رسم ملامح مستقبل منارة أركيبرس، في أفق بلورة رؤية عملية قابلة للتنفيذ، تتوازن فيها متطلبات الحماية، وضرورات التنمية، وطموحات التثمين.

وهكذا، يقف هذا الصرح الصامت اليوم على عتبة تحول جديد، كأنه يستعد لخلع صمته الطويل، لا ليغير وظيفته، بل ليضيف إلى دوره البحري بعداً إنسانياً وثقافياً جديداً، يجعل منه أكثر من مجرد منارة… بل ذاكرة حية تطل على المحيط وتروي قصة قرن من الحراسة والصمت والضوء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *