عاجل
29 مايو 2026 على الساعة 23:52

الخيانة السياسية من أجل المصلحة : مسار انتهك القواعد وخان الثقة المهنية والمبادئ الحزبية

البحر أنفو – 29/05/2026 الخيانة السياسية.. حين يتحول الطموح إلى معول لهدم الثقة في التاريخ السياسي كما في التجارب الإنسانية الكبرى متابعة:

لم تكن الخيانة مجرد موقف عابر أو اختلاف في الرأي، بل كانت دائماً اللحظة التي يقرر فيها شخص ما أن يضع مصلحته فوق كل اعتبار، وأن يستبدل الوفاء بالمناورة، والثقة بالحسابات الضيقة، والمبادئ بالمكاسب المؤقتة.

الخيانة السياسية ليست انتقالاً من موقع إلى آخر، وليست مراجعة فكرية أو اختلافاً مشروعاً في الرؤى، بل هي ذلك السلوك الذي يجعل صاحبه يرتقي على أكتاف الآخرين ثم يوجه إليهم الطعنات بمجرد أن يعتقد أن مصلحته أصبحت في مكان آخر. إنها لحظة سقوط أخلاقي قبل أن تكون تحولاً سياسياً.

ففي كل تجربة جماعية، هناك مناضلون يراكمون الثقة بالصبر والعمل والالتزام، وهناك أيضاً من يتسلقون السلم نفسه، لكنهم لا يرون فيه سوى وسيلة للوصول إلى مواقع النفوذ. وحين يبلغون ما يريدون، يبدأون في قطع الدرجات التي أوصلتهم إلى الأعلى، وكأن الماضي عبء يجب التخلص منه، وكأن الوفاء ضعف لا يليق بأصحاب المصالح المتحركة.

ومن أخطر النماذج التي يفرزها العمل السياسي ذلك الشخص الذي لم يكتف بخيانة الحزب الذي احتضنه ومنحه الثقة والفرصة، بل امتدت خيانته إلى المهنيين الذين آمنوا به ودافعوا عنه واعتبروا أنه صوتهم داخل المؤسسات.

فبدل أن يكون جسراً بين القاعدة والتنظيم، تحول إلى أداة لتفكيك الصفوف وإثارة الشكوك ونشر الانقسام. لقد خان الحزب حين جعل مصالحه الشخصية فوق المشروع الجماعي، وخان المبادئ حين استبدل الالتزام بالمناورة، وخان المهنيين حين استعمل ثقتهم سلماً لتحقيق أهدافه الخاصة. والأسوأ من ذلك أنه لم يختر المواجهة الشريفة أو الاختلاف الواضح، بل لجأ إلى أساليب ملتوية تقوم على الضغط والابتزاز المعنوي وتغذية الصراعات الداخلية واستهداف كل من يرفض الانصياع لرغباته.

إن السياسة، مهما كانت قاسية، تظل لها أخلاقها. أما حين تتحول إلى ساحة للانتقام الشخصي وتصفية الحسابات واستعمال النفوذ لإخضاع المخالفين، فإنها تفقد معناها النبيل وتتحول إلى مجرد سوق للمصالح العابرة. وحين يصبح الولاء للمصلحة أقوى من الولاء للمبادئ، فإن الخسارة لا تصيب الحزب وحده، بل تصيب الثقة العامة في العمل السياسي كله.

لقد خلفت هذه الممارسات تصدعاً عميقاً داخل الجسم المهني، وخلقت حالة من التشتت والانقسام لم تكن نتيجة اختلاف طبيعي في الرؤى، بل نتيجة عمل ممنهج استهدف وحدة الصف ومراكز القوة الجماعية. فبدل جمع المهنيين حول القضايا الحقيقية، جرى دفعهم نحو صراعات جانبية استنزفت الجهود وشتتت الطاقات.

وإذا كان التاريخ السياسي قد علمنا شيئاً، فهو أن الخيانة قد تحقق لصاحبها مكاسب مؤقتة، لكنها نادراً ما تمنحه احتراماً دائماً. فالمناصب تزول، والتحالفات تتغير، أما السمعة التي يصنعها الإنسان بأفعاله فتبقى شاهدة عليه. ومن يعتد على الثقة مرة، سيظل مطارداً بسؤال لا يرحم: إذا كان قد خان من صنعوه، فكيف يمكن الوثوق به مستقبلاً؟ لهذا تبقى الخيانة السياسية أخطر من مجرد خلاف تنظيمي أو تنافس انتخابي، لأنها تضرب الأساس الذي تقوم عليه كل تجربة جماعية: الثقة.

وحين تنهار الثقة، يصبح البناء كله مهدداً مهما كانت الشعارات براقة ومهما كانت الخطابات منمقة. فالوفاء ليس شعاراً انتخابياً، والأخلاق ليست زينة خطابية، والمبادئ ليست أوراقاً قابلة للاستعمال ثم الرمي. إنها جوهر العمل السياسي الحقيقي. أما الذين يختارون طريق الغدر والمكيافيلية والانتهازية، فقد يربحون جولة عابرة، لكنهم يخسرون المعركة الأهم: معركة الاحترام والتاريخ.

هذا المقال لا يحيل إلى شخص بعينه، ولا يستهدف حالة محددة، بل يندرج ضمن قراءة تحليلية لظاهرة سياسية عامة قد تتكرر في أكثر من سياق، خصوصاً مع اقتراب لحظات إعادة توزيع النفوذ داخل المشهد السياسي. ومن يرى نفسه معنيّاً بما يرد فيه، فذلك انعكاس لتأويله الخاص لا أكثر.

في هذا السياق الرمادي، يظهر نموذج الفاعل السياسي الذي يُفترض فيه أن يكون امتداداً لثقة الحزب وتطلعات من وضعوا فيه الأمل لتمثيلهم والدفاع عن مطالبهم المهنية، لكنه يتحول تدريجياً إلى مركز ثقل مضاد داخل نفس البنية التي احتضنته.

هكذا، تتحول السياسة في بعض الحالات إلى مساحة لإعادة إنتاج الذات أكثر من كونها مجالاً لخدمة الجماعة، ويصبح الحزب مجرد منصة عبور بدل أن يكون إطاراً للالتزام. ومع هذا التحول، تتآكل تدريجياً صورة الفاعل السياسي داخل محيطه، ليس فقط في أعين خصومه، بل أيضاً لدى من كانوا يعتبرونه جزءاً من مشروع مهني مشترك.

وفي النهاية، يبقى هذا النموذج المطروح هنا مجرد قراءة في سلوك سياسي ممكن، قابل للظهور بأشكال مختلفة، لكنه دائماً يطرح سؤالاً مركزياً: هل ما زال الانتماء الحزبي التزاماً أخلاقياً، أم أنه أصبح مجرد أداة ظرفية لإدارة المصالح في مشهد سياسي متحول باستمرار؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *