عاجل
30 مايو 2026 على الساعة 11:50

خبير مغربي في جغرافية الموانئ: الموانئ الذكية والأمن البحري أساس بناء إفريقيا اقتصادية أكثر اندماجاً

البحر أنفو – 30/05/2026 الرواص: الأمن البحري مفتاح تنمية إفريقيا الأطلسية ورهان استراتيجي لنجاح الاندماج القاري

أكد الدكتور بدرالدين الرواص، الأستاذ الباحث المتخصص في جغرافية الموانئ بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بطنجة، أن الأمن البحري لم يعد مجرد قضية مرتبطة بحماية السواحل والممرات البحرية، بل تحول إلى ركيزة استراتيجية لضمان التنمية الاقتصادية وتعزيز التكامل الإقليمي داخل القارة الإفريقية، خاصة بالنسبة لدول الساحل والدول المطلة على المحيط الأطلسي.

وأوضح الرواص، في تصريح لوسائل الإعلام، أن القارة الإفريقية تتمتع بموقع جغرافي استثنائي يضعها في قلب أهم المسارات البحرية العالمية، مشيراً إلى أن أكثر من 90 في المائة من المبادلات التجارية الخارجية الإفريقية تمر عبر الموانئ، ما يجعل استقرار وأمن المجال البحري شرطاً أساسياً لاستمرار الحركة التجارية وجذب الاستثمارات وتحقيق التنمية المستدامة.

وأضاف الباحث أن الموانئ الإفريقية لم تعد مجرد فضاءات لعبور البضائع، بل أصبحت مشاريع تنموية متكاملة ومحركات حقيقية للاقتصاد، بما توفره من فرص للاستثمار والتشغيل وتعزيز الربط اللوجستي بين الدول. غير أن تحقيق هذه الأهداف، يضيف الرواص، يظل رهيناً بقدرة الدول الإفريقية على مواجهة التهديدات المتنامية المرتبطة بالقرصنة البحرية والإرهاب العابر للحدود وتأمين الممرات البحرية الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، نوه المتحدث بالدور الذي تضطلع به الموانئ المغربية الكبرى في مواكبة التحول الذي تعرفه المنظومة المينائية الإفريقية، سواء من خلال نقل الخبرات أو دعم برامج الرقمنة وتطوير الخدمات اللوجستية وتعزيز مبادئ الاستدامة داخل الموانئ الإفريقية. واعتبر أن التجربة المغربية أصبحت نموذجاً متقدماً في مجال الحكامة المينائية وتدبير الأمن والسلامة البحرية.

كما أبرز الرواص أهمية المبادرة الملكية الأطلسية باعتبارها رؤية استراتيجية جديدة تروم تمكين الدول الإفريقية غير المطلة على البحر من الاستفادة من الواجهة الأطلسية المغربية، وفتح آفاق أوسع للتعاون الاقتصادي واللوجستي، بما يعزز اندماج هذه الدول في سلاسل التجارة الدولية ويمنحها فرصاً أكبر للولوج إلى الأسواق العالمية.

وفي معرض حديثه عن التحديات الأمنية، شدد الباحث على أن التهديدات التي تواجه المجال البحري الإفريقي أصبحت أكثر تعقيداً وتشابكاً، ما يستدعي بناء شراكات متعددة الأطراف بين دول الساحل والدول الساحلية المطلة على الأطلسي وخليج غينيا، من أجل تطوير آليات جماعية للتصدي للمخاطر المشتركة وتأمين الممرات البحرية الحيوية.

واعتبر أن مشروع أنبوب الغاز المغرب-نيجيريا يشكل أحد المشاريع الجيو-استراتيجية الكبرى القادرة على إحداث تحول نوعي في علاقات التعاون بين دول غرب إفريقيا، ليس فقط من الجانب الطاقي، بل أيضاً من خلال تعزيز التنسيق الأمني وحماية البنيات التحتية البحرية والبرية المرتبطة بالمشروع، بما ينعكس إيجاباً على الاستقرار والتنمية الإقليمية.

وحذر الرواص من تنامي المخاطر المرتبطة بالإرهاب البحري واستهداف المضايق والمعابر الاستراتيجية بالقارة، وعلى رأسها مضيق باب المندب، مؤكداً أن حماية سلاسل الإمداد الطاقية والتجارية الإفريقية تفرض تعزيز التعاون العسكري والأمني بين الدول الإفريقية وشركائها الدوليين ذوي الخبرة البحرية، لضمان أمن الملاحة واستمرار تدفق الصادرات الإفريقية نحو الأسواق العالمية.

وأشار المتحدث إلى أن نجاح برامج التنمية الاقتصادية بالقارة يرتبط بشكل وثيق بأداء الموانئ وقدرتها على لعب دور محوري في دعم الاندماج الاقتصادي الإفريقي، من خلال خلق سلاسل إنتاج حديثة ومنظومات لوجستية متكاملة تعود بالنفع على الاقتصادات الوطنية والدول المجاورة، خاصة في منطقة غرب إفريقيا والساحل.

وفي ما يتعلق بمستقبل الموانئ الإفريقية، دعا الرواص إلى تسريع الانتقال نحو نموذج الموانئ الذكية والمستدامة، مستشهداً بتجربة ميناء طنجة المتوسط الذي أصبح مرجعاً قارياً في مجالات الرقمنة والاستدامة البيئية والنجاعة اللوجستية، فضلاً عن المبادرات الرامية إلى تطوير قدرات الموانئ الإفريقية عبر برامج التعاون والتكوين وتبادل الخبرات.

وختم الدكتور بدرالدين الرواص تصريحه بالتأكيد على أن الاستراتيجية الإفريقية للأمن البحري، المعروفة باتفاقية لومي، لم تحقق إلى حدود اليوم النتائج المأمولة بالقدر الكافي، بسبب غياب البعد التنموي وضعف إشراك المجتمعات المحلية في مواجهة الظواهر الإجرامية البحرية. ومع ذلك، سجل أن التنسيق المتزايد بين الدول الإفريقية ساهم في تقليص عدد عمليات القرصنة وحوادث الاختطاف خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يؤكد أن مستقبل الأمن البحري بالقارة يمر عبر مقاربة شمولية تجمع بين الأمن والتنمية والتعاون الإقليمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *