البحر أنفو – 10/06/2026أخبار دولية سفن شراعية ذكية لنقل أجزاء طائرات إيرباص عبر الأطلسي.. مشروع فرنسي – صيني يعيد رسم ملامح النقل البحري المستدام
يشهد قطاع النقل البحري الدولي تحولاً متسارعاً نحو اعتماد حلول أكثر استدامة للحد من الانبعاثات الكربونية، وهو ما تجسده أحدث المشاريع التي أطلقتها شركة صناعة الطائرات الأوروبية “إيرباص” بشراكة مع شركة الملاحة الفرنسية “لويس دريفوس أرماتور” وحوض بناء السفن الصيني “ووتشانغ”، من خلال تطوير جيل جديد من سفن الشحن المجهزة بتقنيات دفع مبتكرة تجمع بين طاقة الرياح والوقود البديل والذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، شهد حوض “ووتشانغ” بمدينة ووهان الصينية إطلاق سفينة الشحن الجديدة “سبيريت أوف موبايل”، وهي الثانية ضمن سلسلة من ثلاث سفن متخصصة صُممت خصيصاً لنقل المكونات الرئيسية لطائرات “إيرباص A320” بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وتشمل هذه المكونات الأجنحة وأجزاء الهيكل وأبراج المحركات ووحدات الذيل، التي يتم تصنيعها في مواقع مختلفة قبل تجميعها النهائي.
ومن المرتقب أن تنضم السفينة الجديدة إلى شقيقتيها “سبيريت أوف تولوز” و”سبيريت أوف ميرابل”، لتشكل معاً أسطولاً حديثاً يخدم الخط البحري الرابط بين ميناء سان نازير الفرنسي ومدينة موبايل بولاية ألاباما الأمريكية، حيث توجد إحدى أهم منشآت التجميع النهائي لطائرات إيرباص الموجهة للسوق الأمريكية.
ويمثل هذا المشروع استثماراً استراتيجياً مهماً بالنسبة لشركة “لويس دريفوس أرماتور”، التي حصلت سنة 2023 على عقد تجديد كامل أسطول النقل البحري الخاص بإيرباص عبر المحيط الأطلسي. كما يندرج ضمن خطة توسعية واسعة تدعمها مجموعة “إنفرافيا كابيتال بارتنرز”، التي أعلنت عن برنامج استثماري يناهز مليار يورو لتوسيع الأسطول وتسريع إدماج التقنيات منخفضة الانبعاثات.
وتتميز السفن الجديدة بقدرتها على نقل ما يعادل ست مجموعات كاملة من مكونات الطائرات في كل رحلة، إلى جانب نحو 70 حاوية من فئة أربعين قدماً، ما يسمح برفع الكفاءة التشغيلية واستغلال المساحات المتاحة بشكل أفضل مقارنة بالسفن الحالية.
أما على المستوى البيئي، فتراهن إيرباص وشركاؤها على تحقيق قفزة نوعية في تقليص البصمة الكربونية لسلسلة التوريد الخاصة بها. وتشير التقديرات إلى أن الأسطول الجديد سيساهم في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالنقل عبر الأطلسي من نحو 68 ألف طن سنوياً إلى حوالي 33 ألف طن بحلول سنة 2030، أي بنسبة تقارب 50 في المائة.
ويعود هذا الأداء البيئي إلى مجموعة من الابتكارات التقنية، أبرزها اعتماد ستة دوارات هوائية عملاقة على متن كل سفينة بارتفاع يصل إلى 35 متراً. وتعتمد هذه التكنولوجيا، التي طورتها الشركة الفنلندية “نورسباور”، على استغلال طاقة الرياح لتوليد قوة دفع إضافية تسمح بتقليص استهلاك المحركات الرئيسية للوقود، خاصة خلال الرحلات الطويلة عبر شمال المحيط الأطلسي.
كما زُودت السفن بمحركات مزدوجة الوقود قادرة على العمل بالديزل البحري أو الميثانول، مع التوجه مستقبلاً نحو استخدام “الميثانول الأخضر” المنتج من مصادر طاقة متجددة، وهو ما من شأنه أن يساهم في خفض الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري بشكل أكبر مقارنة بالوقود التقليدي.
ولم يقتصر التطوير على منظومة الدفع فقط، بل شمل أيضاً دمج أنظمة ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل الأحوال الجوية وحالة البحر بشكل مستمر، وتحديد أفضل المسارات وسرعات الإبحار وتشغيل الدوارات الهوائية بكفاءة عالية، بما يضمن تقليص استهلاك الطاقة وتحسين الأداء التشغيلي.
كما تضم السفن نظاماً لاسترجاع الحرارة المهدرة من عوادم المحركات وتحويلها إلى طاقة كهربائية إضافية، إضافة إلى مراوح بحرية عالية الكفاءة وطلاءات خاصة تقلل من مقاومة المياه أثناء الإبحار، ما يعزز من مردودية السفينة ويخفض استهلاك الوقود.
ومن المنتظر أن تخضع سفينة “سبيريت أوف موبايل” خلال الأشهر المقبلة لسلسلة من الاختبارات التقنية والتجارب البحرية قبل تسليمها رسمياً خلال شهر نونبر 2026، فيما يرتقب دخول السفينة الأولى “سبيريت أوف تولوز” الخدمة التجارية قبل نهاية العام الجاري، على أن تلتحق بها السفينة الثالثة خلال سنة 2027.
ويُنظر إلى هذا المشروع باعتباره اختباراً عملياً واسع النطاق لقدرة النقل البحري العالمي على الجمع بين طاقة الرياح والوقود البديل والتقنيات الذكية في منظومة واحدة قادرة على تلبية متطلبات سلاسل الإمداد الصناعية الكبرى، ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الشحن البحري منخفض الانبعاثات في السنوات المقبلة.