عاجل
18 يونيو 2026 على الساعة 09:52

بحر قزوين ينحسر تحت وطأة التغير المناخي.. أكبر بحر مغلق في العالم يواجه خطر التراجع والاختفاء التدريجي

البحر أنفو – 18/06/2026 بحر قزوين ينحسر تحت وطأة التغير المناخي.. أكبر بحر مغلق في العالم يواجه خطر التراجع والاختفاء التدريجي متابعة:

يواجه بحر قزوين، أكبر مسطح مائي مغلق في العالم، تحديات بيئية غير مسبوقة تهدد مستقبله وتضع التوازن البيئي والاقتصادي لمنطقة شاسعة تمتد بين أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى على المحك، في ظل استمرار الانخفاض المقلق في منسوب مياهه بفعل التغيرات المناخية وتراجع الموارد المائية المغذية له.

ويمتد بحر قزوين على طول يقارب ألف كيلومتر، وتتشاطر حدوده خمس دول هي روسيا وكازاخستان وأذربيجان وتركمانستان وإيران، ما يجعله فضاءً استراتيجياً حيوياً للاقتصاد الإقليمي وللأمن الغذائي والطاقي في المنطقة.

وتشير المعطيات العلمية المستندة إلى صور الأقمار الصناعية والدراسات الهيدرولوجية والمناخية إلى أن مستوى مياه بحر قزوين عرف تراجعاً مستمراً منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي. وبحسب تصريحات نائب وزير البيئة الأذربيجاني رؤوف حاجييف، فقد انخفض منسوب البحر بنحو 2.5 متر خلال الثلاثين سنة الأخيرة، في مؤشر يثير قلقاً متزايداً لدى الخبراء وصناع القرار.

وتجلت آثار هذا الانحسار بشكل واضح على طول السواحل الشمالية للبحر، حيث تحولت مساحات واسعة كانت تغمرها المياه إلى أراضٍ جافة وقاحلة. وفي بعض المناطق تراجع خط الساحل بأكثر من خمسين كيلومتراً، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على الموانئ وأنشطة الصيد البحري والملاحة التجارية.

وفي الموانئ الكازاخية، خصوصاً أكتاو وكوريك، باتت السفن مضطرة إلى تقليص حمولاتها لتفادي الجنوح بسبب انخفاض الأعماق، بينما يؤكد السكان المحليون أن المشهد تغير بشكل جذري خلال سنوات قليلة، بعدما حلت الأراضي الجافة محل مساحات مائية كانت تعج بالحياة والنشاط الاقتصادي.

وقد تصدر ملف بحر قزوين جدول أعمال القمة الإقليمية للبيئة التي احتضنتها العاصمة الكازاخية أستانا خلال أبريل الماضي، حيث حذرت المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، إنغر أندرسن، من أن البحر يمر بمرحلة حرجة، مؤكدة أن استمرار التراجع الحالي قد يقود إلى تداعيات كارثية قبل نهاية القرن إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة.

ويجمع العلماء على أن التغير المناخي يمثل العامل الرئيسي وراء هذا التدهور، إذ تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى تسارع معدلات التبخر واختلال التوازن المائي للبحر. ويزداد الوضع تعقيداً بالنظر إلى الطبيعة المغلقة لبحر قزوين، الذي لا يرتبط بأي محيط أو بحر آخر، ما يجعل مستوى مياهه رهيناً حصرياً بالتساقطات المطرية وتدفقات الأنهار ومعدلات التبخر.

ويظل نهر الفولغا، الذي يزود بحر قزوين بحوالي 80 في المائة من موارده المائية، العنصر الأكثر تأثيراً في هذا التوازن الهش. غير أن تراجع تدفقاته المائية خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة، ساهم بشكل مباشر في تسريع وتيرة انحسار البحر.

وفي هذا السياق، وجهت أذربيجان انتقادات إلى روسيا بسبب السدود الكهرومائية المقامة على نهر الفولغا، معتبرة أنها تؤثر على التدفقات الطبيعية للمياه نحو بحر قزوين. غير أن موسكو رفضت هذه الاتهامات ودعت إلى عدم تسييس الملف البيئي، مؤكدة أن أسباب التراجع ترتبط أساساً بالتحولات المناخية العالمية.

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب البيئي فحسب، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية واسعة. فبحر قزوين يعد مركزاً رئيسياً لأنشطة الصيد البحري والنقل البحري واستغلال النفط والغاز، كما تعتمد عليه ملايين الأسر في معيشتها. وتشير التقديرات إلى أن نحو 15 مليون شخص يعيشون في المناطق المحيطة بالبحر ويستمدون جزءاً مهماً من مواردهم الاقتصادية منه.

كما أن تراجع مستوى المياه يهدد النظم البيئية الحساسة، بما في ذلك الأراضي الرطبة والبحيرات الساحلية ومناطق القصب، فضلاً عن العديد من الأنواع البحرية التي تواجه خطر فقدان موائلها الطبيعية. وأصبح الصيادون في بعض المناطق، خاصة في أذربيجان، مضطرين للإبحار لمسافات أطول للوصول إلى مناطق الصيد التقليدية، ما يزيد من التكاليف والمخاطر المرتبطة بممارسة نشاطهم.

ورغم توقيع الدول الخمس المطلة على بحر قزوين سنة 2003 لـ”اتفاقية طهران” الرامية إلى حماية البيئة البحرية والتصدي للتلوث وتعزيز التعاون الإقليمي، فإن المؤشرات الحالية تؤكد أن الجهود المبذولة ما تزال دون مستوى التحديات المطروحة.

وفي ظل تفاقم المخاطر، تعمل الدول المشاطئة حالياً على إعداد خطة إقليمية مشتركة للتكيف وحماية بحر قزوين، يرتقب الانتهاء منها قبل نهاية سنة 2026، في محاولة لتنسيق الجهود والحد من التداعيات المتسارعة لهذه الأزمة البيئية.

ويبدو أن مستقبل بحر قزوين بات مرتبطاً بقدرة دول المنطقة على توحيد رؤاها واتخاذ إجراءات حازمة لمواجهة آثار التغير المناخي والحفاظ على هذا المورد الطبيعي الفريد، الذي يشكل شرياناً حيوياً للاقتصاد والبيئة والاستقرار في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *