عاجل
19 أغسطس 2024 على الساعة 21:43

السي باليماكو ، غرفة الصيد البحري، و الآخرون ..

ليست هناك أدنى صلة بين غرفة الصيد البحري و الفتى ” باليماكو ” الشخصية المرموقة في الكتاب المدرسي باللغة الفرنسية “Bien Lire et comprendre ” اللهم في العلاقة الأساسية بالمركب الدي يحمل الرجال ذوي البشرة البيضاء الذي حل بالجزيرة التي يعيش فيها بطل القصة ” الفتى ” باليماكو ” أو أيضا في العلاقة التي يمكن أن نشبه بها الفتاة الجميلة البيضاء في القصة التي علق في حبها الطفل ” باليماكو ” بكرسي الغرفة والشغف الكبير الذي يحدو المولوعين بالكراسي حد  الجنون.

إننا هنا لا نوظف الشخصيات بطريقة مقصودة، في مقابل تحديدنا لترابط بين شخصيات القصة و واقع الحنطة، ما مكننا من صورة عن الواقع المهني بأبعاده النفسية والفكرية والشعورية والمادية، بل قد يكون التحليل المنطقي لما يقع هو  الضوء الذي يتم تسليطه على واقع حقيقي لقطاع متشردم، و يكون مرآة لكل ما يدور في الساحة المهنية نحو تغيير مفاهيم متجذرة في حنطة الصيد البحري، ولكن التحليل المنطقي له أيضا وجه آخر وهو الوجه الخيالي، أن يتمكن المقال من نقل المهنيين إلى عوالم مخفية، و تتحول النظرة العادية إلى رحلة نحو مجهول آخر، خطير ومثير ومحرك للذكاء والفضول.

يعلم المهنيون أنهم يبحرون في عوالم مختلفة ولكنهم قُبِلوا ومنذ البداية على الذهاب في تلك الرحلة عبر المتابعة السطحية لواقع الحنطة التي تسير بلا قيود و لا حدود، بل قد يبدو أن هذا التحليل المنطقي من أجمل ما يعتري النفس المهنية بتحرريها من كل ما هو ملموس، و هدا الأمر يمنحها رؤيا و بعداً آخر للواقع الذي تعيشه، لدا ارتئينا التحليق بالمهنيين إلى فضاء أفكاره ربما تكون متجدرة في واقع الحنطة، وهو ما دفعنا إلى إثارة قصة السيد المحترم ” الطفل باليماكو ” الدي فقد حياته بسبب شغفه وحبه الكبير للفتاة البيضاء الجميلة في علاقة مستحيلة، ففقد حياته بسقوطه من أعلى الشجرة..

” باليماكو ” بطل القصة في الكتاب المدرسي كان  أسعد طفل ذوي بشرة سوداء. وكان يقضي وقته في اللعب والغناء، من وقت خروج الشمس من البحر في أحد جانبي الجزيرة إلى وقت انطفاء كرة نارها في الجانب الآخر. وذات يوم، وصلت سفينة محملة بالرجال البيض من الجانب الآخر من العالم. لم يكن باليماكو قد رأى رجالاً بيضاً من قبل. وفي المرة الأولى التي قابل فيها أحدهم، كان خائفاً جداً وبقي مختبئاً في كوخه لمدة يومين. وفي اليوم الثالث، عندما خرج لقطف المانجو، التقى بابنة رجل أبيض صغيرة. وكانت ترتدي قلادة من اللؤلؤ حول عنقها وسواراً ذهبياً في معصمها وشريطاً بلون السماء في شعرها. بدت جميلة جداً بالنسبة له. أسقط سلة المانجو. التفتت الفتاة البيضاء الصغيرة وأخرجت لسانها إليه. اعتقد باليماكو أن هذه هي الطريقة التي يلقي بها الرجال البيض التحية على بعضهم البعض. فأخرج هو أيضاً لسانه، وكان لسانه طويلاً جداً، أطول من لسان الفتاة الصغيرة، فضحكت. بدأت تضحك. رد باليماكو بالضحك كاشفًا عن أسنان بيضاء جميلة، أكثر بياضًا من أسنان الفتاة.

وهكذا أصبح السي ” باليماكو ” و الفتاة البيضاء صديقين، حيث علّمت الفتاة البيضاء الصغيرة باليماكو بعض الأشياء الذكية للغاية، مثل كيفية مسح الأنف في قطعة من القماش بدلاً من استخدام الأصابع. وفي المقابل، علّمها كيف تتسلق شجرة جوز الهند وكيف تصنع مظلة من سعف النخيل المضفورة. وأصبحا لا يفترقان. وذات يوم، وللأسف، أبحرت سفينة الرجال ذوي البشرة البيضاء مرة أخرى، حاملة الفتاة الصغيرة ذات العقد اللؤلؤي والسوار الذهبي والشريط الملون بلون السماء. من الشاطئ، شاهد باليماكو المركب وهو يبحر بعيداً… وأدرك أنه  لم يأخذ الفتاة البيضاء الصغيرة فحسب، بل أخذ فرحته أيضاً. أصبح حزيناً جداً. كان حزنه يأخذه كل يوم إلى الشاطئ ليرى مرة أخرى المكان الذي اختفت فيه السفينة. كان حزينًا للغاية لدرجة أنه أقنع نفسه أخيرًا بأن السفينة ستعود. ولكي يرى لمحة مبكرة تسلق شجرة جوز الهند. وعندما لم يرَ شيئًا، تسلق في اليوم التالي شجرة جوز هند أعلى قليلاً، وفي اليوم الثالث تسلق شجرة جوز هند أعلى من ذلك. وهكذا، كان يبحث كل يوم عن شجرة أطول. في اليوم المائة، لم يتبقى في الجزيرة كلها سوى شجرة واحدة لم يتسلقها. كانت تلك الشجرة عالية جدًا بحيث لم يتمكن أحد من الوصول إلى قمتها…

”لا تصعد إلى هناك يا ” باليماكو “، قال صوت عاقل : “لا تصعد إلى هناك يا باليماكو، فالرياح ستهزك وستسقط مثل الجوز الناضج. – أجاب باليماكو ببساطة: ” أريد أن أرى سفينة الرجال ذوي البشرة البيضاء  مرة أخرى“. سأتسلق شجرة جوز الهند تلك. – أنت تعلم أنه لم يتمكن أي رجل أسود من الوصول إلى أعلى أوراقها! – أنا خفيف كالبنغالي، وسأصل إلى أعلى النخيل…“ بدأ باليماكو في تسلق شجرة جوز الهند. كانت قشور الجذع بمثابة سلالم؛ وارتفع ببطء ورشاقة. وسرعان ما أصبح عالياً جداً في السماء بحيث لم يظهر من الأسفل إلا كنقطة سوداء. من وقت لآخر، توقف ليتنفس. وأخيرًا، ظهرت مجموعة النخيل الضخمة فوقه مباشرة، في متناول يده تقريبًا. كان باليماكو الآن أعلى من أي شجرة على الجزيرة. تشبث بالشجرة بإحدى يديه، ورفع الأخرى فوق عينيه ونظر إلى حيث تلتقي السماء والأرض. كان قلبه ينبض بسرعة كبيرة لدرجة أنه لا بد أنه هز شجرة جوز الهند. وفجأة، سرى صوت خفيف عبر النخيل مثل رعشة. كانت الرياح تهبّ، الرياح الرهيبة التي تأتي من البحر المفتوح. بدأت شجرة جوز الهند تميل. تشبث باليماكو بإحكام بالجذع. هبّت الرياح، ومالت الشجرة من جانب إلى آخر في تمايل هائل. قاوم باليماكو بكل قوته. وفجأة اخترقت السماء صرخة خارقة. كان الصبي الأسود الصغير قد أفلت للتو. رفرفت ذراعاه، ثم دار جسده الأبنوسي في الهواء ليهوي إلى أسفل الشجرة. عندما التقط باليماكو لم يعد قلبه ينبض. لكن ابتسامة مشرقة ازدهرت على وجهه؛ ربما، من أعلى، كان قد لمح من هناك الشراع الكبير لسفينة الرجال البيض..انتهت قصة المرحوم باليماكو على الأقل في عقول كل أولائك الذين تعلموا اللغة الفرنسية في كتاب Bien lire et comprendre، و ستترسخ في عقول الغرفيين، لكن المغزى يظل قائما وحين يكون المغزى من القصة صورة عن الواقع لابد أن يكون شديد الدقة في نقل تلك الصورة الواقعية، لأن الخيال يسمح بالإلتفاف حول الأفكار ولكن الواقع لا يسمح بذلك ولا يسامح على ذلك الإلتفاف..

إن الكواليس الانتخابية لغرفة الصيد البحري تحمل ذلك الوجه الواقعي للحنطة، ثم تحمل ذلك الوجه الخفي لما يدور في دواخل الغرفيين، و ما يدور في دواخلهم يبدو أكثر تعقيدا مما يدور في الواقع الحسي، لأنه بداخل هذه النفس تكمن مشاعر الكولسة و السياسة  والحسابات الضيقة، و التطلعات و كذلك و خاصة المصالح وأيضاً آخر المحطات الغير معلنة ما قبل الهاوية و السقوط..

إننا هنا نضفي للمهنة و المهنيين واقع الحنطة بلغة عميقة، و من منظار متعدد الأبعاد و الزوايا لتفكيك واقع الصيد البحري، وما دفعنا لإثارة قصة الفتى باليماكو في هدا الوقت بالذات المتزامن مع استحقاقات غرف الصيد البحري، هو نداء المهنة بأن تتسلل المفاهيم بهدوء دون هدف و لاغاية، لأنه في الأول و الأخير ربما فاز باليماكو بقلب الفتاة البيضاء الجميلة، و مضى معها أجمل وقت محدد ممكن لطفل ذوي بشرة سوداء، لكنه فقد حياته بشكل مأسوي، إنما ظلت الابتسامة مرسومة على وجهه في قصة كتاب BIEN  LIRE et COMPRENDRE.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *