البحر أنفو – 14/07/2025 نفق جبل طارق… حين يُقاوم الحلمُ الغرق في الأعماق متابعة:
لأكثر من أربعين عامًا، ظلّ الحلمُ معلقًا بين ضفّتين. في أعماق البحر الذي فرق بين قارتين، ظلّ المهندسون، والساسة، والممولون، يتداولون أوراق مشروعٍ عابر للماء والتاريخ. اسمه: نفق مضيق جبل طارق. رؤيا جريئة لا تكفّ عن العودة، حتى وإن نُبذت من الطاولات أكثر من مرة.
المثير في الحكاية ليس فقط ذلك الطموح الهندسي الجامح لحفر عشرات الكيلومترات تحت البحر، بل أيضًا ما تمثله هذه البوابة المفترضة بين أوروبا وإفريقيا: جسر رمزي تتقاطع فيه التكنولوجيات مع الجغرافيا، والمصالح مع الجيوبوليتيك، والرغبة مع المخاوف.
اليوم، في عام 2025، عاد الحلم إلى الواجهة، ليس متلهفًا لمونديال 2030 كما كان يُروج، بل بعينٍ على أفق أبعد: 2040. التاريخ الجديد ليس وعدًا، بل نوع من الاعتراف الهادئ بأن مشاريع بهذا الحجم لا تُقاس بتواريخ المناسبات، بل بإيقاع الأرض.. وبمزاج البحر.
تحت العتبة… وفوق الخيال
الخط المقرر للنفق يمر عبر ما يسمى بـ”عتبة كامارينال”، وهو اسم شعري لواحد من أصعب مواقع الحفر في العالم: طبقات صخرية، طيات جيولوجية، ونشاط زلزالي مستمر. إنه ليس فقط تحديًا هندسيًا، بل رهانا على تقنيات لم تنضج بعد بما يكفي.
ولهذا تُجرى الآن دراستان مفصليتان، أشبه بجسّ نبض القاع. واحدة تتابع طبوغرافية الصخور، والأخرى ترصد الزلازل ونمطها. نتائجهما، المتوقعة في شتنبر المقبل، لن تقول فقط “هل يمكن الحفر؟” بل “هل ينبغي الحفر؟”
الميزانية المقدّرة؟ 15 مليار يورو. المساهمة الأوروبية؟ موجودة. ولكن السؤال الأعمق: هل يمكن شراء مشروع بهذا التعقيد بالمال فقط؟

حلم بحجم قارة
ما هو نفق جبل طارق؟ هل هو نفق فقط؟ أم استعارة معمارية لشيء أعمق؟ البعض يراه قاطرة ستسحب خلفها اقتصادًا بأكمله، من شمال إفريقيا إلى أعماق أوروبا. البعض الآخر يتوجس من تكاليف باهظة، وثمن سياسي قد يكون أغلى من كل الحديد والخرسانة.
لكن وسط هذا التباين، تبرز صورة مثيرة: قطار ينطلق من مدريد، يهبط تحت البحر، ويخرج في طنجة، ليواصل نحو الدار البيضاء في رحلة لا تتعدى خمس ساعات ونصف. إنه المستقبل وهو يمدّ يده عبر أعماق مضيق عمره ملايين السنين.
أكثر من نفق
حين يتحدث السياسيون عن المشروع، يتحدثون عن التجارة، اللوجستيك، والسياحة. أما المهندسون، فيرون طبقات الطين، تسرب المياه، والاهتزازات الزلزالية الدقيقة. لكن ما لا يُقال كفاية هو أن هذا النفق – إن تحقق – سيكون أول رابط بريّ حقيقي بين إفريقيا وأوروبا منذ تشكل القارتين.
وربما، حينها، لن يكون مجرد مشروع بنية تحتية. سيكون فعل مصالحة جيولوجية، وتصحيحًا لخطأ قديم في الجغرافيا.
ما بعد البحر
الطريق إلى 2040 طويلة. ليس فقط لأنها 15 سنة تفصلنا عنها، بل لأن البحر نفسه – بكل ما يخفيه – لا يحب الاستعجال. ستأتي التقارير. ستُعقد الاتفاقيات. وقد تتغير الحكومات أو تتحول الميزانيات.
لكن شيء واحد لن يتغير: أن فكرة النفق لن تموت. سواء رُسمت على الورق، أو في الصخور، أو حتى في المخيلة.