البحر أنفو – 14/08/2025 ما وراء الضجيج : قراءة تحليلية رصينة في جدل سفن RSW وشباك الجرّ السطحية متابعة: اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بحملة تشهير تستهدف سفن الصيد الصناعي المستعملة لمياه البحر المبرّدة لتخزين السمك السطحي (RSW).
وبين خطاب عاطفي سريع واتهامات غير دقيقة، أصدرت “الكونفدرالية المغربية لأرباب مراكب ومعامل السمك السطحي (COMAIP)” بياناً مطوّلاً قدّمت فيه معطيات مهنية ودفاعاً تقنياً وأخلاقياً عن القطاع. هذا المقال يحاول، بعيداً عن الانفعال، تحويل تلك المعطيات إلى تحليل منطقي يوازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والاستدامية، ويقترح خارطة طريق عملية لتعزيز الشفافية وثقة المهنيين.
1) السياق: بين محاكمة النوايا وحاجة الرأي العام إلى معلومات دقيقة
القضية لا تتعلق فقط بخلاف تقني حول نوع شباك أو تجهيز سفينة؛ بل هي اختبار للنضج المؤسسي في إدارة موردٍ عامّ هو الثروة السمكية. الاتهامات غير الموثّقة تُربك النقاش وتعيق الإصلاح، فيما يحتاج الرأي العام إلى بيانات قابلة للتحقّق، وإلى تمييز واضح بين ممارسات فردية مخالفة وصورة قطاع كامل يعمل تحت ضوابط قانونية متنامية.
2) البعد الدولي: مهنة وليست استثناءً مغربياً
تشير المعطيات المهنية إلى أن سفن RSW وتشغيل شباك الجرّ السطحية رائجة في أساطيل دول متقدمة في الصيد والتثمين (البلدان الإسكندنافية، المملكة المتحدة، روسيا، وعديد الدول الآسيوية). الدرس هنا ليس “التذرّع بالخارج” بقدر ما هو التأكيد أن الأداة بذاتها ليست تهمة؛ معيار الحكم يكون كيف تُستخدم، وتحت أي نظام مراقبة وحوكمة، وبأي مستوى من الشفافية العلمية حول المخزونات السمكية.
3) الانتقائية والتكنولوجيا: من القدرة التقنية إلى القرار البشري
يؤكد المهنيون أن سفن هذا الصنف مجهّزة بسونار وكاميرات وأدوات تقدير للكثافة والأنواع قبل الجرّ، ما يرفع الانتقائية ويقلّل الصيد العرضي. لكن الاعتراف المهم هو أن القرار النهائي بيد الربّان: هنا يفصل الخط الرفيع بين “إمكانات تقنية عالية” و“سلوك بشري قد يخطئ أو يتلاعب”. لذا تصبح التكنولوجيا شرطاً ضرورياً وليست كافية، ما لم تُدعّم بـ:
نظام تتبُّع آنٍ للسفن (VMS/AIS) مع حفظ سجلات رقمية.
مراقبة تلفزية على متن السفن (REM/CCTV) في المصايد الحسّاسة.
بروتوكولات توقّف فوري عند بلوغ نسب معيّنة من الصيد العرضي أو الأحجام غير القانونية.
عقود امتثال تربط الربّان والمجهّز بمؤشرات أداء بيئي واجتماعي واضحة.
4) المسؤولية القانونية وأخلاقيات المهنة: ضبط السلسلة كاملة
الإطار المغربي يُحمّل المجهّز مسؤولية مدنية وجزائية حتى عن أفعال الربّان والطاقم. هذا منطقي لأن الامتثال يبدأ من قمة الهرم: من يموّل ويجهّز ويستفيد عليه أن يضمن الانضباط في البحر والميناء والمصنع. المطلوب اليوم:
مواءمة تدريجية للعقوبات:
من الغرامات إلى سحب الرخص مؤقتاً عند المخالفات الجسيمة، وصولاً إلى المنع النهائي عند العود.
تأمين بيئي إلزامي يغطي أضرار المخالفات على المخزون والبيئة.
سجل انضباط علني (اسم السفينة/المالك/نوع المخالفة/العقوبة) يحفّز المنافسة النظيفة ويعاقب السمعة السيئة.
5) الأثر البيئي: سطح البحر ليس قاعه… لكنّ المخزون واحد
التمييز مهم : شباك الجرّ السطحية لا تخدش القاع ولا تدمّر الموائل القاعية، بخلاف القاعية. ومع ذلك، يبقى السؤال الجوهري: كيف نضمن استدامة المخزون السطحي؟
اعتماد حصص صيد مبنية على العلم (TAC/روزنامة مواسم الإغلاق، أحجام شباك دنيا، فتحات هروب).
تتبّع المصايد متعددة الأعمار لحماية مواسم التكاثر، وتقليل صيد اليافعين.
نشر تقارير علمية دورية مبسّطة للرأي العام: أرصدة المخزون، مؤشرات تجدد، نسب المصيد العرضي.
ربط تجديد الرخص بسجل الأداء البيئي للسفينة.
6) القيمة الاقتصادية والاجتماعية: الوظائف، التثمين، والعدالة المجالية
تفيد الكونفدرالية بأنها تخلق أكثر من 30 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، مع نسب عالية من الأطر والمهندسين، وأن سلسلة السمك السطحي تقدّم قيمة مضافة مرتفعة لكل كيلوغرام مفرغ، وتشكّل رافعة لولوج الأقاليم الجنوبية، خصوصاً الداخلة، إلى اقتصاد يتجاوز “فخ الدخل المتوسط”. هذه مزايا مهمّة لكنها تستلزم:
توطين المنافع محلياً: تشغيل أبناء المنطقة، عقود مشتريات محلية، مساهمة في البنية الصحية والتعليمية والتكوين.
ظروف عمل لائقة للبحّارة: عقود مصادق عليها، تأمين، سلامة بحرية، ساعات راحة، تدريب دوري على الإنقاذ.
تمكين نساء وشباب المناطق الساحلية عبر حاضنات للتثمين (تعليب/تجميد/منتجات ثانوية) وقروض صغيرة موجّهة.
تنويع سلاسل القيمة (كولاجين، زيوت، أعلاف بحرية، منتجات غذائية جديدة) لرفع القيمة المضافة وتقليل الهدر.
7) الحوكمة والشفافية: من دفاع القطاع إلى تعاقد مجتمعي
بيان الكونفدرالية يعلن الالتزام بالصيد المسؤول والامتثال الصارم والاستدامة، وهو تعهّد مهم. لتتحول الأقوال إلى مؤشرات ملموسة، نحتاج إلى تعاقد مؤسسي ثلاثي (إدارة – مهنة – علم/مجتمع):
مرصد وطني مستقل للمصايد السطحية: بيانات مفتوحة، لوحات مؤشرات شهرية، تنبيهات مبكرة.
تقارير استدامة سنوية للشركات/الأسطول بمعايير ESG قابلة للتدقيق.
برنامج مراقبين علميين على ظهر السفن (Observers) بنسبة تغطية تصاعدية.
دفع القطاع طوعاً نحو اعتمادات بيئية دولية (مثل MSC) في المصايد المؤهّلة، ما يفتح أسواقاً راقية ويكافئ الامتثال.
قنوات تواصل مؤسسية مع المجتمع المدني والجامعات لشرح المعطيات والرد على المخاوف بالأرقام لا بالشعارات.
8) توصيات عملية (خارطة طريق قابلة للتنفيذ)
رقمنة شاملة للمراقبة: VMS/AIS + سجلات إلكترونية للمصطادات (e-Logbook) + CCTV في المصايد الحسّاسة.
اشتراطات ترخيص ذكية: لا تجديد رخص بدون سجل امتثال نظيف وتكوين سنوي إلزامي للربابنة.
مصايد مبنية على العلم: حصص سنوية شفافة، مراجعات نصف سنوية، وإغلاقات ديناميكية عند رصد نسب يافعين/مصيد عرضي مرتفعة.
حوافز خضراء: تخفيض رسوم الموانئ والوقود للسفن ذات الأداء البيئي الأفضل؛ تمويل جزئي لتجهيزات الانتقائية.
عدالة اجتماعية بحرية: ميثاق وطني لظروف العمل والسلامة، تفتيش دوري، وصندوق دعم للحوادث والتكوين.
تثمين محلي: عقود مشتريات محلية، حضانات صناعات تحويلية صغيرة، وربط الحوافز بخلق فرص عمل محلية مستدامة.
شفافية تامة: نشر لوائح المخالفات والعقوبات، وإتاحة بيانات مبسطة للجمهور عن حالة المخزون والمواسم.
من سجال الاتهامات إلى عقدٍ للاستدامة
القطاع اليو يقف بين نارَين : الحاجة إلى التنافسية العالمية والحفاظ على موردٍ عامّ تتعلّق به أرزاق أجيال. البيان الدفاعي للكونفدرالية خطوة مطلوبة في معركة سردية مشحونة، لكنه لن يكون مقنعاً بمفرده ما لم يتعزّز بـممارسات قابلة للقياس والتتبع.
الطريق واضح : علم شفاف، رقابة ذكية، عقوبات رادعة، حوافز خضراء، وعدالة اجتماعية. عندها فقط سيتحوّل الجدل من “حملة تشهير” إلى قصّة نجاح مغربية في الصيد السطحي: اقتصاد أقوى، مجتمعٌ أعدل، وبحارٌ أكثر حياة.