البحر أنفو – 01/06/2026 ألاسكا في قلب الرهان البحري الأمريكي.. مشروع جديد لاستعادة النفوذ في القطب الشمالي متابعة:
في ظل تصاعد التنافس الدولي على الممرات البحرية والموارد الاستراتيجية في القطب الشمالي، تتجه الولايات المتحدة نحو تبني رؤية جديدة لإعادة بناء قوتها البحرية والتجارية، تقوم على إنشاء ما يُعرف بـ”مناطق الازدهار البحري”، وهي مبادرة تسعى إلى تركيز الاستثمارات والبنية التحتية والقدرات الصناعية في مناطق مختارة قادرة على تشكيل أقطاب بحرية متكاملة تخدم المصالح الاقتصادية والأمنية الأمريكية.
ويرى الخبير البحري والضابط السابق في البحرية الأمريكية بروس كيمبريل أن الولايات المتحدة دخلت بالفعل مرحلة جديدة من إعادة الاعتبار للقطاع البحري، مدفوعة بسلسلة من المبادرات الحكومية التي أطلقتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، شملت خططاً لتطوير الموانئ، وتعزيز صناعة بناء السفن، وتوسيع القدرات اللوجستية والتجارية المرتبطة بالنقل البحري.
وبحسب كيمبريل، فإن نجاح أي نهضة بحرية لا يتحقق عبر مشاريع متفرقة أو استثمارات معزولة، بل من خلال خلق منظومات متكاملة تجمع بين الصناعة البحرية، وبناء السفن، والبنية التحتية للموانئ، والخدمات اللوجستية، والتمويل، وتطوير الكفاءات البشرية داخل نطاق جغرافي محدد وقادر على تحقيق التراكم الاقتصادي والصناعي.
ويستشهد الكاتب بالتجربة الصينية التي اعتمدت على تركيز الاستثمارات والقدرات الإنتاجية واللوجستية في عدد محدود من المناطق الساحلية الكبرى، ما سمح لها ببناء واحدة من أقوى المنظومات البحرية والتجارية في العالم. ورغم اختلاف النموذج الأمريكي عن نظيره الصيني، فإن مبدأ “التركيز الاستراتيجي” يظل، بحسبه، شرطاً أساسياً لإعادة بناء القوة البحرية الأمريكية.
ألاسكا.. الخيار الأول
ويعتبر كيمبريل أن ولاية ألاسكا تمثل الموقع الأمثل لإطلاق أول منطقة ازدهار بحري أمريكية، نظراً لموقعها الجيوسياسي الفريد في قلب التحولات الجارية بالقطب الشمالي، حيث تتقاطع المصالح المرتبطة بالطاقة والموارد الطبيعية والممرات البحرية الجديدة والمنافسة العسكرية بين القوى الكبرى.
وتزداد أهمية المنطقة مع استمرار روسيا في تعزيز حضورها العسكري والاقتصادي في القطب الشمالي، وتنامي اهتمام الصين بالمنطقة باعتبارها ممراً تجارياً واعداً ومجالاً استراتيجياً للاستثمار المستقبلي. كما شهدت “الطريق البحرية الشمالية” الروسية ارتفاعاً ملحوظاً في أحجام الشحن خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس التحول التدريجي للقطب الشمالي إلى فضاء اقتصادي واستراتيجي بالغ الأهمية.
وفي المقابل، يحذر الكاتب من أن الولايات المتحدة ما تزال تعاني من محدودية البنية التحتية البحرية في الشمال، وضعف القدرات الصناعية واللوجستية القادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
من تطوير الموانئ إلى بناء منظومة متكاملة
ويقترح المشروع البدء بتحديث وتوسعة موانئ رئيسية في ألاسكا، من بينها أنكوراج ونوم وداتش هاربور، مع تعزيز قدرات تخزين الوقود وخدمات الصيانة والإصلاح البحري والدعم اللوجستي للسفن العاملة في البيئات القطبية.
كما يدعو إلى تعزيز التنسيق بين القطاع الخاص والوكالات الفيدرالية وخفر السواحل الأمريكي، بما يضمن خلق بيئة استثمارية مستقرة تشجع شركات النقل البحري والصناعات المرتبطة به على التوسع في المنطقة.
ولا يقتصر الهدف على تنفيذ مشاريع بنية تحتية منفردة، بل يتعداه إلى بناء منظومة اقتصادية وبحرية متكاملة تشمل خدمات الطاقة البحرية، والصيد البحري، والتقنيات اللوجستية المتقدمة، والأنظمة البحرية غير المأهولة، إضافة إلى دعم الأنشطة التجارية والعسكرية المرتبطة بالمحيط المتجمد الشمالي.
رهان على المستقبل البحري الأمريكي
ويؤكد كيمبريل أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى إنشاء مؤسسات جديدة لتحقيق هذا التحول، إذ تتوفر بالفعل على الأطر القانونية والتنظيمية والمالية اللازمة، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على تنسيق الجهود بين مختلف الفاعلين الحكوميين والقطاع الخاص ضمن رؤية استراتيجية طويلة الأمد.
ويقر الكاتب بأن كلفة بناء السفن وتشغيل النقل البحري تحت العلم الأمريكي تبقى أعلى مقارنة بعدد من المنافسين الدوليين، إلا أنه يعتبر أن استمرار التراجع في القدرات البحرية الأمريكية ستكون كلفته الاقتصادية والأمنية أكبر بكثير على المدى البعيد.
وفي ختام طرحه، يدعو إلى إطلاق أول “منطقة ازدهار بحري دونالد ترامب” في ألاسكا باعتبارها مشروعاً رمزياً واستراتيجياً يعكس عودة الولايات المتحدة إلى الاستثمار في قوتها البحرية، ويؤسس لمرحلة جديدة من التنافس على النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي في القطب الشمالي، في وقت أصبحت فيه السيطرة على الممرات البحرية والقدرات اللوجستية عاملاً حاسماً في موازين القوة العالمية.