البحر أنفو – 21/08/2025 الموانئ المغربية على خط التحول: مشاريع جديدة تعيد رسم ملامح المنظومة البحرية متابعة: حين تنشغل الوكالة الوطنية للموانئ (ANP) بدراسة مستقبل أنشطة الكروز والرحلات البحرية في ميناء الدار البيضاء، أو حين تنكب على إعادة تأهيل الشبكات الكهربائية بميناءي مارينا سْمير والمضيق، أو تقود أشغال تعزيز رصيف ميناء أكادير لمواجهة تداعيات التغير المناخي، فهي لا تدشن أوراشاً تقنية معزولة، بل ترسم معالم رؤية أوسع: تشييد جيل جديد من البنى التحتية المينائية، أكثر صلابة، تنافسية، واستدامة.
رؤية تتجاوز حدود التسيير اليومي
لم يعد دور الميناء مقتصراً على استقبال السفن أو تفريغ الحاويات. في السياق الحالي للتحولات البحرية العالمية، حيث تتحول الموانئ إلى عقد لوجستيكية، ومراكز صناعية وخدماتية، أصبحت الحاجة ملحة إلى هندسة متكاملة تأخذ بعين الاعتبار الأمن الطاقي، التحول الرقمي، التغير المناخي، والرهان على سلاسل قيمة جديدة كالسياحة البحرية وصناعة السفن.
في هذا الإطار، تتبنى الوكالة سياسة استباقية تجعل من الاستثمار وسيلة لمواكبة هذه المتغيرات بدل الخضوع لها.
الدار البيضاء: بوابة نحو صناعة بحرية متجددة
الدار البيضاء، باعتبارها القلب التجاري للمملكة، تستعد لإعادة تعريف دورها البحري. الدراسة الجارية حالياً حول الكروز، اليخوت، أنشطة المسافرين، وإحياء أوراش بناء وإصلاح السفن، ليست مجرد مشروع محلي، بل محاولة لخلق إيكوسيستم متكامل يربط بين الترفيه، التجارة، والصناعة البحرية.
هنا، الرهان يتجاوز العائد المالي الآني نحو تعزيز السيادة الاقتصادية عبر تطوير قدرات وطنية في صناعة وإصلاح السفن، بدعم من المخطط المديري للموانئ في أفق 2030، وبتناغم مع توجهات ميثاق الاستثمار الجديد.
موانئ الشمال: تحديث في خدمة الجاذبية
في المقابل، تتحرك الأوراش في الشمال بوتيرة مختلفة ولكن بالمنطق ذاته. ميناءا مارينا سْمير والمضيق يعيشان اليوم على وقع مخطط لإعادة تأهيل الشبكات الكهربائية، بعدما كشفت الدراسات التقنية عن هشاشة البنية الحالية. الهدف هنا مزدوج: ضمان أمن واستمرارية التزويد بالطاقة، ورفع جاذبية الموانئ السياحية المغربية في مواجهة منافسة متوسطية محتدمة.
أكادير والجنوب: حصون في مواجهة المناخ
في أكادير، حيث يشكل الميناء محوراً للتجارة والصيد البحري، يدخل المشروع الممول بشراكة مع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (BERD) مرحلته الثانية. تعزيز الرصيف الرئيسي لم يعد خياراً تقنياً فحسب، بل استجابة استراتيجية للتحديات المناخية المتصاعدة، ولضمان استمرارية الخدمات البحرية في وجه اضطرابات متزايدة.
أما في موانئ الجنوب، مثل طانطان وطانطان، فإن الرهان على تعزيز السلامة المينائية وتجهيز الأرصفة يشكل امتداداً لمنطق واحد: تهيئة جبهة بحرية صامدة تربط الأطلسي المغربي بالفضاءات التجارية الدولية.
من المحلي إلى الاستراتيجي
خلف هذه المشاريع الموزعة جغرافياً، تبرز خيوط رؤية موحدة: بناء منظومة مينائية لا تكتفي بترميم الأعطاب، بل تسعى إلى خلق قيمة مضافة وطنية، وتحويل الموانئ إلى أقطاب إنتاج وخدمات. إنها محاولة لإعادة موضعة المغرب في خريطة التجارة البحرية العالمية، في زمن يعاد فيه تشكيل طرق التجارة وسلاسل التوريد.