البحر أنفو – 05/09/2025 السردين بين تراجع المصايد وجشع المضاربين: “سمك الفقراء” يخرج من متناول اليد متابعة: تعيش أسواق مدينة الدار البيضاء منذ أسابيع على وقع غلاء غير مسبوق في أسعار السردين، هذا السمك الذي ارتبط في الذاكرة الغذائية للمغاربة بلقب “سمك الفقراء”. فقد تجاوز ثمن الكيلوغرام الواحد 25 درهماً في عدد من الأحياء والأسواق الشعبية، في وقت لا يتعدى فيه سعر السردين القادم من الموانئ الجنوبية ما بين 15 و20 درهماً للكيلوغرام.
هذا التباين في الأسعار يعكس خللاً هيكلياً يتجاوز منطق العرض والطلب. إذ بينما يسجل السردين الآتي من آسفي والجديدة وأكادير والدار البيضاء مستويات مرتفعة، يظل السردين الجنوبي أقل كلفة نسبياً، رغم ما يتكبده البحارة من مصاريف الرحلات البحرية وارتفاع أسعار الغازوال.
تراجع حاد في المصايد
خبراء الصيد البحري يؤكدون أن السبب الجوهري وراء ارتفاع الأسعار يعود بالأساس إلى التراجع الخطير الذي تشهده مصايد السردين، خصوصاً على مستوى المصايد الجنوبية والوسطى . فالتغيرات المناخية، وارتفاع حرارة المياه، إضافة إلى الضغط المتزايد على المخزون السمكي، كلها عوامل ساهمت في تقليص العرض بشكل لافت. النتيجة: تراجع الكميات المعروضة في سوق الجملة، وارتفاع الأسعار بشكل تلقائي.
دور المضاربين والوسطاء
غير أن محدودية العرض وحدها لا تفسر القفزة الصاروخية في الأسعار. فالمضاربون والوسطاء الذين يتحكمون في مسار السمك من الميناء إلى السوق، يضطلعون بدور أساسي في تضخيم الأسعار. إذ أن تعدد الحلقات الوسيطية بين الصياد والمستهلك يضاعف السعر النهائي، ويجعل “سمك الفقراء” أقرب إلى رفاهية محرمة على الطبقات البسيطة.
فبدل أن ينعم المغاربة بثروة سمكية غنية ومتنوعة، يتحول السردين إلى مادة نادرة ومكلفة، تُباع في بعض الأسواق بأثمنة تضاهي أنواعاً أخرى من الأسماك التي كانت إلى وقت قريب مصنفة ضمن خانة “الأسماك الراقية”.
معادلة مختلة
إن ما يحدث اليوم في أسواق الدار البيضاء يعكس بوضوح غياب آليات ناجعة للضبط والمراقبة، سواء على مستوى حماية المصايد من الاستنزاف، أو على مستوى مراقبة مسارات التوزيع ومحاربة المضاربات. فبين تقلص المصايد من جهة، وجشع الوسطاء من جهة أخرى، يجد المستهلك المغربي نفسه الحلقة الأضعف في معادلة مختلة، لا تضع في الحسبان البعد الاجتماعي المرتبط بقدرة الأسر على تأمين غذائها اليومي.
الحاجة إلى إصلاح عميق
الوضع الحالي يفرض نقاشاً جدياً حول مستقبل الصيد البحري بالمغرب، خاصة وأن السردين ليس مجرد سلعة غذائية، بل عنصر استراتيجي في الأمن الغذائي الوطني. الإصلاح يمر أولاً عبر حماية المصايد وإعادة النظر في استدامة المخزون، وثانياً عبر تنظيم الأسواق الداخلية للحد من هيمنة الوسطاء والمضاربين، بما يضمن وصول السردين إلى المستهلك بثمن معقول، يستجيب لطبيعة هذا السمك الشعبي الذي شكل لعقود رمزاً للتوازن بين الجودة والقدرة الشرائية.