البحر أنفو – 07/09/2025 منذ 40 عامًا، خلال الساعات الأولى من الأول من سبتمبر/ أيلول، ظهرت صور ضبابية بالأبيض والأسود لأسطوانة معدنية على شاشات الفيديو في مركز القيادة لسفينة الأبحاث “Knorr”، التي كانت تحاول العثور في قاع المحيط الأطلسي عن أشهر حطام سفينة في العالم، أي “تيتانيك”.
بالنسبة لأفراد فريق المراقبة، المكوّن من أربعة أشخاص، فقد اشتبه هؤلاء أن الجسم الذين شاهدوه للتو قد يكون مرجل سفينة غارقة، فلم يستطيعوا أن يبعدوا أنظارهم عما كان يظهر أمامهم على الشاشة، فأرسلوا طبّاخ السفينة لإيقاظ بوب بالارد، وهو كبير علماء البعثة الذي كان يبحث عن الحطام منذ السبعينات. وكان بالارد مستيقظًا داخل مقصورته.
وقال بالارد، وهو كبير العلماء الفخريين في قسم فيزياء وهندسة المحيطات التطبيقية لدى معهد “وودز هول” لعلوم المحيطات في ولاية ماساتشوستس الأمريكية: “لم يكمل الطبّاخ جملته حتى قفزت فورًا. حرفيًا ارتديت بذلتي فوق زي النوم، ولم أخلعها لعدة أيام بعد ذلك”.
تحدثت CNN مع بالارد وأحد أعضاء فريقه، دانا يورغر، وهو كبير العلماء في مجال الروبوتات البحرية في معهد وودز هول، قبيل الذكرى الأربعين لاكتشاف “تيتانيك”. واستعاد الاثنان سلسلة الأحداث غير العادية التي أدت إلى ذلك الاكتشاف المذهل، وعدم توقف المغامرة عند هذا الحد.
وأضاف بالارد: “عندما دخلت، كان لدينا صورة للمرجل على الحائط، ونظرنا إليها. أدركنا على الفور أنه بالتأكيد يعود لتيتانيك، وعمّت الفوضى”.
حتى قبل أن يعثر بالارد وفريقه على الحطام بعد 73 عامًا من إبحار السفينة الشهيرة في عام 1912، كانت “تيتانيك” مصدر افتتان لا ينتهي، إذ غرقت “السفينة التي لا تغرق” في أول رحلة لها خلال عصر ذهبي كان يضم على متنها أغنى أثرياء أمريكا، لتتحول القصة إلى حكاية عن الغرور البشري، والتحيز الطبقي، والفشل التكنولوجي.
وقد زاد اكتشاف سفينة “تيتانيك” في عام 1985 من شدّة سحرها في خيال الجمهور، إذ ألهم فيلمًا ضخمًا عام 1997 لا يزال من بين الأفلام التي حققت أعلى الإيرادات في تاريخ السينما، بالإضافة إلى عدة أفلام وثائقية ومعارض متحفية، ورحلات محفوفة بالمخاطر لزيارة مكان مثواها الأخير، على عمق نحو 3,900 متر تحت سطح المحيط، إحداها في عام 2023 انتهت بمأساة جديدة.
بالنسبة لمستكشفي المحيطات مثل بوب بالارد وزملائه، كان العثور على “تيتانيك” بمثابة تسلّق جبل “إيفرست” للمرة الأولى. إذ أن التكنولوجيا النموذجية التي جعلت هذا الاكتشاف ممكنًا غيّرت منذ ذلك الحين مجال استكشاف أعماق البحار والعلوم، ووسّعت بشكل هائل معرفة العلماء بالمحيط. لكن حتى مع توفر الأدوات المناسبة، تطلّب العثور على هذا الحطام الأيقوني تحولًا ملهمًا في الاستراتيجية.
البحث كان يُخفي مهمة سرية للغاية لم تكن محاولة عام 1985 للعثور على “تيتانيك” هي الأولى بالنسبة لبوب بالارد. إذ فشلت بعثة في عام 1977 عندما انقطع أنبوب حفر بطول 914 مترًا كان مثبتا عليه أجهزة السونار والكاميرات، وذلك بحسب مذكراته التي نُشرت عام 2021 بعنوان “Into the Deep” (في الأعماق).
وقد أقنعته هذه التجربة، إلى جانب الحاجة إلى صور حية، بأن المركبات تحت الماء التي تُشغّل عن بُعد والتي يمكنها بث الفيديو مباشرة إلى سفينة الاستكشاف كانت خيارًا أفضل للمضي قدمًا، لكنه واجه صعوبات في الحصول على تمويل لرؤيته تلك. في النهاية، دعمت البحرية الأمريكية تطوير تكنولوجيا بالارد، وهو نظام تصوير في أعماق البحار أُطلق عليه اسم “Argo”.
وكانت البحرية مهتمة باستخدامه لمعرفة سبب غرق غواصتين نوويتين، هما “USS Thresher” و”USS Scorpion”، في المحيط الأطلسي خلال الستينيات، بالإضافة إلى استخدامه لأغراض أوسع تتعلق بجمع المعلومات الاستخباراتية خلال الحرب الباردة. أقنع بالارد مسؤولي البحرية لتخصيص بعض الوقت للبحث عن “تيتانيك” ضمن مهمة مسح الغواصتين، وكانت هذه الخطة في النهاية قصة تغطية للمهمة السرية الحقيقية للبحرية.
وأوضح بالارد: “ما لم يكن يعرفه الناس في ذلك الوقت، هو أن البحث عن تيتانيك كان في الواقع غطاءً لعملية عسكرية سرية للغاية كنت أقوم بها كضابط استخبارات بحرية. لم نكن نريد أن يعرف السوفييت موقع الغواصة”. وقال بالارد:”الاتفاق كان أن يعثر الفرنسيون عليها، (وبعد ذلك، سيكون لدي وقت كافٍ، أي أسبوع واحد، لتصويرها)”.

وكان الفريق الفرنسي قريبًا جدًا، لكنه أخطأ موقع الحطام، بينما التقطت كاميرا بالارد صورة للحطام، مستفيدة من تضييق كبير في منطقة البحث بعد عمليات المسح التي أجراها السونار الفرنسي. قد يهمك أيضاً قائمة طعام “تيتانيك” للدرجة الأولى تُعرض للبيع بمزاد..ماذا تضمنت؟ وقد مرّ بالارد بما وصفه بـ”لحظة إلهام” أثناء رسم خريطة لحطام غواصة “Scorpion”، وكانت تلك اللحظة حاسمة لنجاح المهمة، إذ تبيّن أن حقل الحطام امتد لمسافة ميل كامل (1.6 كيلومتر)، ولم يتحدّد في منطقة دائرية صغيرة كما كان يُعتقد.

وغرقت الأجسام الثقيلة مباشرة في قاع البحر، بينما نزل الحطام الأخف وزنًا بشكل أبطأ، وجرفته التيارات البحرية إلى مسافات أبعد. هنا أدرك بالارد أن “تيتانيك”، التي غرقت في عمق مشابه لغواصة “Scorpion”، ستخلّف حقل حطام مماثل وربما أكبر، وأن البحث عن هذا الحقل من الحطام سيكون أسهل بكثير من محاولة العثور على هيكل السفينة ذاتها أو الأجزاء الثقيلة. قال يورغر:”كانت التكنولوجيا، ومعرفة كيفية استخدامها، عاملًا حاسمًا، لكن الشيء الأهم الذي أدى إلى نجاحنا كان استراتيجية بالارد. لم يكن يحاول العثور على السفينة نفسها، بل كان يحاول العثور على حقل الحطام، وهو هدف أكبر بكثير، ومناسب جدًا لاكتشافه باستخدام العين المجردة”.

في عام 1985، التقط نظام “Argo” مقاطع فيديو بالأبيض والأسود لحطام “تيتانيك”، بينما التقط نظام أقدم يُدعى “ANGUS”، وهو مزوّد بكاميرا مقاس 35 ميلمترًا، صورًا ثابتة ذات لون أزرق كشفت عن وجود الحطام. عاد الفريق في العام التالي مزوّدًا بكاميرات أكثر تقدّمًا وبالألوان لتوثيق كل شبر من الحطام، بما في ذلك حمام السباحة، والدرج الكبير، ومقدّمة السفينة، وأنتجوا صورًا أيقونية لا تزال مألوفة حتى اليوم. أصبح بالارد أول شخص يزور الحطام في ذلك العام عبر الغواصة المأهولة “Alvin”، التي سبق أن قادها، واستغرقت أكثر من ساعتين للوصول إلى قاع المحيط. وعندما وصل، شاهد قطعًا أثرية مؤثرة، مثل دمية طفل، وزجاجات شامبانيا، وأوانٍ فضية. لكنه لم يرَ أي بقايا بشرية. كانت آثار الصدأ تغطي “تيتانيك”، والتي نتجت عن بكتيريا تتغذى على المعدن، مكونًة نتوءات طويلة باللون الأحمر، وهي ظاهرة أطلق عليها بالارد اسم “Rusticles”، ودخلت لاحقًا في قاموس “أكسفورد” الإنجليزي.
تذكر بالارد أن بعض المناطق التي كانت مغطاة بطلاء وردي واقٍ منذ بناء السفينة لا تزال تبدو بحالة شبه سليمة. وللحفاظ على هذا “المكان المقدس”، بحسب وصفه، قال إنه دعا إلى استخدام نهج مشابه، مثل طلاء واقٍ يُطبّق بواسطة روبوتات تحت الماء، للحفاظ على الحطام ومنعه من التآكل أكثر. بعمر الـ83 عامًا، لا يزال بالارد يستكشف المحيط بنشاط. وفي شهر يوليو/ تموز الماضي، عاد من بعثة استكشافية استغرقت 21 يومًا على متن سفينة “Nautilus”، التي تشغّلها منظمته غير الربحية “Ocean Exploration Trust”، إلى جزيرة غوادالكانال في جزر سليمان بالمحيط الهادئ. وهناك، بدأ في رسم خرائط للسفن والطائرات التي فُقدت خلال خمس معارك بحرية كبرى في الحرب العالمية الثانية، وقعت بين أغسطس/ آب وديسمبر/ كانون الأول من عام 1942.
وقال بالارد: “أحب عندما يقول لي الأطفال أن أتوقف عن الاسكتشاف، حتى يتبقى لهم شيء ليعثروا عليه”، مضيفًا أنه واثق من أن هناك الكثير من الأمور المجهولة التي لا تزال بانتظار الجيل القادم من المستكشفين في أعماق المحيط.
(CNN) العربية