البحر أنفو – 26/10/2025 الدلالة على السردين بالعيون… بين التثمين والتنافسية وإشكالية الصناديق متابعة:
في خضم التحولات التي يعرفها قطاع الصيد البحري، برزت تجربة الدلالة على أسماك السردين بمدينة العيون كآلية جديدة تسعى إلى إعادة ترتيب موازين التنافسية داخل السوق، وتحقيق أحد الأهداف المركزية لاستراتيجية أليوتيس، والمتمثل في تثمين المنتوج البحري ورفع قيمته التجارية.
ففي ظل الندرة المتزايدة لأسماك السردين بالسواحل الجنوبية، احتدم التنافس بين الوحدات الصناعية للحصول على هذه المادة الحيوية، مما جعل الدلالة ترفع أثمان الأسماك بشكل قياسي غير مسبوق، عاكسة بذلك دينامية السوق وطلبه القوي على هذا المنتوج.
لكن هذه الطفرة الإيجابية التي حققتها الدلالة في منطق الشفافية والتنافسية، سرعان ما أفرزت في المقابل إشكالات عملية وتنظيمية أربكت بعض حلقات السلسلة التجارية. فعدد من تجار الأسماك السطحية الصغيرة، في غياب الصناديق الموحدة، اضطروا إلى تزويد المراكب بصناديقهم الخاصة لتعبئة المصطادات، ما خلق إرباكاً عند العودة إلى الميناء، حيث يتم اعتماد نظام الدلالة.
فالمشكل يبدأ لحظة رسو المركب، عندما يرسو المزاد على تاجر جديد لا يملك الصناديق المستعملة في الرحلة، إذ يجد نفسه مضطراً لتفريغ الأسماك من صناديق الغير وإعادة تعبئتها في صناديقه، وهو ما يُعرف ميدانياً بـ”قلب الحوت”، وهي عملية تؤثر سلباً على جودة وطراوة السردين، وتُفرغ في بعض الأحيان روح التثمين من محتواها الحقيقي.
ومع أن الدلالة تعتبر في جوهرها إصلاحاً هيكلياً يُنهي حالة “الاحتكار الصامت” التي مارسها بعض التجار لسنوات على المراكب، إلا أن مقاومة هذا التغيير تَظهر اليوم في شكل اعتراضات ميدانية وتسويغات تقنية ظاهرها الجودة، وباطنها الحنين إلى زمن الفوضى وغياب الشفافية. فبعض الجهات التي كانت تستفيد من الوضع السابق، تراهن على هذه الثغرات التنظيمية لإسقاط تجربة الدلالة أو فرملتها.
إن تعميم الصناديق الموحدة يبرز اليوم كشرط أساسي لإنجاح هذا المسار الجديد. فبدونها، ستظل عملية البيع بالمزاد رهينة إكراهات لوجستيكية تُفقد المنتوج جزءاً من قيمته، وتُشوش على أهداف التثمين والجودة التي تنادي بها الدولة. كما أن تحرير المراكب من تبعية بعض التجار يظل خطوة ضرورية لإعادة الاعتبار للمهنيين الحقيقيين ولتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين في سلسلة القيمة.
في النهاية، يمكن القول إن الدلالة على أسماك السردين بالعيون ليست مجرد آلية للبيع، بل هي معركة رمزية من أجل الشفافية والعدالة الاقتصادية داخل الميناء. نجاحها مرهون بقدرة الإدارة والمهنيين على تجاوز التفاصيل التقنية الصغيرة التي تحجب أحياناً الرؤية عن الهدف الأكبر: بحر منظّم، ومنتوج مُثمَّن، واقتصاد أزرق تنافسي يُنصف الجميع.