البحر أنفو – 27/10/2025 غويانا.. مختبر مفتوح لتتبّع آثار التغير المناخي في المحيط
في عمق السواحل الأطلسية لغويانا الفرنسية، يتحول البحر إلى مختبر حيّ تترصد فيه العيون العلمية التحولات الصامتة التي يشهدها النظام البيئي البحري تحت تأثير التغير المناخي. منذ خمس سنوات، ينسّق كل من المعهد الفرنسي لبحث استغلال البحر (Ifremer) ومختبر “لييزا” (LEEISA) التابع للمركز الوطني للبحث العلمي وجامعة غويانا، برنامجاً علمياً متقدماً يروم مراقبة تفاعلات المحيط مع المناخ وتداعياتها على الثروات البحرية المحلية.
في كل موسم، تنطلق الفرق البحثية إلى عرض البحر على متن زوارق مخصصة لهذا الغرض، لتجمع عينات دقيقة من المياه والرسوبيات والمادة العضوية. هناك، في صمت الأمواج، تُبنى قاعدة بيانات ثمينة ترصد مؤشرات حيوية مثل درجة الحرارة، الملوحة، العكارة، ودرجة الحموضة (pH)، وهي عناصر تشكل مفاتيح فهم دينامية المحيط في زمن التغير المناخي.
تتقدم الباحثة الإيطالية مورغانا تاليا رولو، المتخصصة في علم الأحياء البحرية بجامعة بريست، هذا الفريق العلمي بخبرة تمتد لأكثر من ثماني سنوات داخل فرع Ifremer بغويانا. برفقة زملائها، تسعى إلى فكّ شيفرة الحياة الميكروسكوبية التي تختبئ في قاع البحر، حيث تُعدّ عينات الطمي البحري خزائن طبيعية لمؤشرات دقيقة على صحة النظام البيئي.
وتُظهر نتائج السنوات الخمس الأولى من البرنامج بوادر تغيّرات مقلقة في بعض الأنواع البحرية، وعلى رأسها القشريات، وفي مقدمتها الروبيان (crevettes) الذي شهدت مصايده تراجعاً مطرداً خلال العقود الأخيرة. ويُرجَّح أن تكون اضطرابات المناخ، وتبدّل خصائص المياه الساحلية، من بين أبرز الأسباب وراء هذا التراجع.
على ضوء هذه المعطيات، يعتزم Ifremer تمديد البرنامج لخمس سنوات إضافية، مع التحضير لإحداث مرصد دائم للمحيط والمناطق الساحلية، يتولى مراقبة مستمرة لحالة المياه والمستنقعات الساحلية والمغاريف (mangroves)، بما يسمح برصد التغيرات في الزمن الحقيقي ووضع سياسات أكثر دقة لتدبير الموارد البحرية في مواجهة تحديات المناخ المتسارع.
في النهاية، يبدو أن غويانا تتحول شيئاً فشيئاً إلى مرآة علمية لمستقبل المحيطات الاستوائية، حيث تتقاطع العلوم البيئية مع مسؤولية الإنسان تجاه الطبيعة، في سباق مع الزمن من أجل الحفاظ على توازن الحياة في كوكب يزداد حرارةً يوماً بعد آخر.