البحر أنفو – 10/04/2026 في اكتشاف علمي مهم يعكس مدى غنى المحيطات بالأسرار غير المكتشفة، تمكن فريق دولي من الباحثين من تحديد 24 نوعًا جديدًا من القشريات البحرية العميقة في منطقة كلاريون–كليبرتون الواقعة في وسط المحيط الهادئ بين المكسيك وهاواي. وقد جاء هذا العمل العلمي نتيجة أبحاث ميدانية دقيقة استهدفت أعماقًا سحيقة تتجاوز 4000 متر تحت سطح البحر، ونُشرت نتائجه في مجلة علمية متخصصة في تصنيف الكائنات الحية.
تنتمي هذه الكائنات المكتشفة إلى مجموعة الأمفيبودا، وهي قشريات صغيرة الحجم تعيش في البيئات البحرية العميقة، حيث تنعدم أشعة الشمس وتسيطر الظلمة والضغط العالي والبرودة الشديدة. وعلى الرغم من صغر حجمها الذي قد لا يتجاوز بضعة مليمترات في كثير من الحالات، فإن هذه الكائنات تلعب دورًا حيويًا في النظام البيئي البحري، إذ تساهم في تفكيك المواد العضوية والتغذي على الرواسب أو افتراس كائنات دقيقة أخرى، مما يجعلها جزءًا أساسيًا من السلسلة الغذائية في أعماق المحيط.
وقد اعتمد العلماء في هذا الاكتشاف على تقنيات متقدمة لجمع العينات، حيث تم استخراج كتل ضخمة من الطين البحري من قاع المحيط باستخدام معدات متخصصة، قبل نقلها إلى المختبرات لتحليلها ودراسة تركيبها الجيني والشكل الخارجي للكائنات الموجودة داخلها. وقادت هذا العمل البحثي مجموعة من العلماء من بينهم آنا يازدجيفسكا من جامعة لودز في بولندا وتامي هورتون من المركز الوطني لعلوم المحيطات في المملكة المتحدة، وذلك ضمن ورشة عمل علمية نُظمت سنة 2024 بهدف دراسة التنوع البيولوجي في هذه المنطقة العميقة.
ولم يقتصر هذا الاكتشاف على وصف 24 نوعًا جديدًا فقط، بل تجاوز ذلك إلى مستوى أعمق في التصنيف العلمي، حيث تمكن الباحثون من تحديد عائلة جديدة أطلق عليها اسم Mirabestiidae، إضافة إلى تحديد فصيلة عليا جديدة (Superfamily) سميت Mirabestioidea. ويُعد اكتشاف فصيلة عليا جديدة حدثًا نادرًا في علم الأحياء، لأنه يشير إلى وجود فرع تطوري كامل لم يكن معروفًا من قبل، مما يساهم في إعادة رسم جزء من شجرة التطور الخاصة بهذه الكائنات البحرية.
ومن بين هذه الأنواع الجديدة، لفت أحدها انتباه الباحثين بسبب تسميته المستوحاة من عالم ألعاب الفيديو، حيث أُطلق عليه اسم مستمد من لعبة “Hollow Knight”، في إشارة رمزية إلى طبيعة الحياة في الأعماق المظلمة حيث تعيش هذه الكائنات في ظروف قاسية تشبه إلى حد ما العوالم الخيالية الغامضة.
ويأتي هذا الاكتشاف في وقت تتزايد فيه الاهتمامات الاقتصادية بمنطقة كلاريون–كليبرتون، التي تُعتبر واحدة من أغنى المناطق في العالم بالعُقَد المعدنية الغنية بالمنغنيز والكوبالت والنيكل، وهي معادن تُستخدم بشكل واسع في الصناعات الحديثة مثل البطاريات وتقنيات الطاقة المتجددة. غير أن هذه الثروة المعدنية تثير في المقابل جدلاً علميًا وبيئيًا متزايدًا، إذ يحذر الباحثون من أن أي عمليات تعدين في هذه الأعماق قد تؤدي إلى تهديد أنظمة بيئية حساسة لم يتم التعرف إلا على جزء صغير جدًا منها.
وتشير التقديرات العلمية إلى أن هذه المنطقة قد تضم آلاف الأنواع البحرية غير المكتشفة بعد، ما يعني أن ما تم وصفه حتى الآن لا يمثل سوى جزء بسيط من التنوع الحقيقي الموجود في هذه البيئة الفريدة. لذلك، يرى العلماء أن استمرار البحث العلمي في هذه المناطق يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع سياسات حماية صارمة، لضمان عدم فقدان كائنات حية قد تختفي قبل أن يتم التعرف عليها علميًا.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز هذا الاكتشاف كدليل إضافي على أن أعماق المحيطات لا تزال تحمل كنوزًا بيولوجية غير معروفة، وأن فهمها بشكل أفضل أصبح ضرورة علمية وبيئية ملحة، خاصة في ظل تزايد الضغوط المرتبطة بالاستغلال الصناعي للموارد البحرية.