البحر أنفو – 15/11/2025 الأقاليم الجنوبية… حين تتحوّل الجغرافيا إلى قوة بحرية صاعدة متابعة:
في وقت يتسارع فيه السباق العالمي حول الأمن البحري والموارد المحيطية، تأتي تصريحات زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، لتفتح باباً أوسع لمساءلة موقع المغرب في خارطة القوى البحرية الصاعدة.
فحين تقول المسؤولة الحكومية إن قطاع الصيد البحري “رافعة إستراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية”، فهي لا تقدّم مجرد توصيف تقني لقطاع اقتصادي، بل ترسم معالم رؤية جديدة تتجاوز حدود النشاط المهني الضيق إلى رهانات الجيو-اقتصاد والأمن البحري وسيادة القرار الوطني.
تنمية في جنوب الخريطة… لكنها في قلب الرهانات الكبرى
الدريوش تؤكد أن الأقاليم الجنوبية أصبحت “نموذجاً للتنمية المندمجة”، وهذا الوصف لم يعد مجرد خطاب رسمي؛ فالمؤشرات على الأرض تتحدث لغة أخرى: موانئ متطورة، أوراش ضخمة، استثمارات متسارعة، وتوجه واضح نحو تثمين الموارد البحرية وتربية الأحياء المائية.
لكن ما يميز هذا النموذج ليس حجم المشاريع فقط، بل التحول البنيوي في طريقة استثمار البحر كمنصة اقتصادية وسيادية في الوقت نفسه.
فميناء الداخلة الأطلسي، الذي وصفته المسؤولة بأنه “ركيزة إستراتيجية للتموقع الجيو-إستراتيجي للمغرب”، يفتح واجهة جديدة على الأطلسي، ويوسّع مجال التأثير المغربي في مسار التجارة الدولية العابرة للقارات، ويعزز ارتباط المملكة بشبكات القيمة العالمية.
من استغلال الثروات إلى بناء السيادة
تقول الدريوش إن الموانئ الجنوبية ليست فضاءات للتجارة والصيد فقط، بل “منصات لإنتاج السيادة الاقتصادية”. وهذه النقطة بالذات تختصر عمق التحول: فالرهان اليوم لم يعد هو بيع السمك بقدر ما أصبح إرساء نموذج بحري يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية ويضمن للمغرب موقعاً تفاوضياً أقوى داخل فضاء الأطلسي.
إن بناء سلاسل قيمة مرتبطة بالصيد، والصناعة التحويلية، واللوجستيك، وتربية الأحياء البحرية، يجعل من الأقاليم الجنوبية أكثر من مجرد مناطق إنتاج؛ إنها تتحول إلى قلب نابض للاستراتيجية البحرية المغربية، وإلى جسر يعزز الحضور المغربي في إفريقيا ويدعم التكامل مع أوروبا.
ما الذي يعنيه هذا التحول في لغة السياسة والاقتصاد؟
تصريحات كاتبة الدولة تُقرأ اليوم في سياق إقليمي ودولي مضطرب، حيث تتنافس الدول على الموارد البحرية وعلى التموقع في الممرات الإستراتيجية.
ومن هنا يمكن القول إن الإجابة المهنية والسياسية على ما صرحت به السيدة الدريوش هي أن المغرب:
لا يراهن فقط على تنمية محلية، بل على هندسة نفوذ اقتصادي بحري واسع.
يمزج بين التنمية واللوجستيك البحري والصناعة والخدمات لخلق قطب أطلسي صاعد.
يعيد صياغة دوره داخل غرب إفريقيا وأوروبا عبر بوابة الداخلة والأقاليم الجنوبية.
يحوّل البحر من مورد طبيعي إلى عنصر قوة وطنية ومجال سيادة إستراتيجية.
وللإشارة فقط أن ما قالته زكية الدريوش ليس مجرد تصريح رسمي؛ إنه إعلان صريح عن دخول المغرب مرحلة جديدة، أدرك فيها أن من يمتلك الأطلسي يمتلك جزءاً من المستقبل.
وإذا كانت الاستثمارات والأوراش الكبرى في الجنوب قد أرست الأساسات الأولى، فإن السنوات المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة المملكة على تحويل هذه الرؤية إلى قوة بحرية واقتصادية تفاوض من موقع الثقة، وتتموقع في صلب التغيرات العالمية.