عاجل
1 ديسمبر 2025 على الساعة 16:59

انخفاض حاد في مفرغات الصيد بالمتوسط: فهل يغيّر المغرب معادلة الاستدامة باعتبار احتفاظه على موقعه كفاعل استراتيجي في إدارة المصايد ؟

البحر أنفو – 01/12/2025 تعيش الواجهة المتوسطية للمغرب مفترق طرق حاسم، بعدما كشف تقرير لجنة الصيد بالمتوسط CGPM لعام 2025، التابعة لمنظمة الفاو، عن تراجع حاد بلغ –45,7% في حجم المصطادات المغربية. ورغم هذا الانكماش الكبير، يؤكد التقرير أن الصيد التقليدي ما يزال يشكّل العمود الفقري للقطاع، إذ يضمن 44% من مجموع مداخيله ويظل مصدر رزق لا غنى عنه لآلاف الأسر الساحلية.

وفي مقابل هذا التراجع في الصيد البحري، يخطو المغرب بثبات نحو تعويض الفجوة عبر تنمية الاستزراع المائي، محققاً أعلى معدل نمو في المنطقة (+58,1%) بفضل إصلاحات مؤسساتية عميقة أعادت تنظيم القطاع ورفعت جاذبيته الاستثمارية. غير أن هذا التحول الطموح لا يُخفي التحديات المناخية والهيكلية التي تستدعي معالجة عاجلة لضمان استدامة الموارد البحرية وحماية التوازن البيئي والاقتصادي للساحل المغربي.

و رغم الجهود المتزايدة لإرساء صيد بحري مستدام في حوضي المتوسط والبحر الأسود، ما تزال مؤشرات الوضع البيئي تثير القلق. غير أن تقريراً حديثاً أصدرته اللجنة العامة لمصايد المتوسط (CGPM) التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة الفاو، حول وضعية المصايد في المنطقة (2025)، يكشف عن معطيات لافتة تُظهر بداية تحوّل في المسار.

فوفقاً للمعطيات التي شارك في إعدادها أكثر من 700 خبير إقليمي، تراجعت حدة ضغط الصيد إلى النصف خلال العقد الأخير، بينما بدأت بعض المخزونات الرئيسية تستعيد توازنها البيولوجي تدريجياً. ورغم هذا التطور المشجع، تكشف التقييمات العلمية لـ 120 مخزوناً في المتوسط والبحر الأسود، من ضمنها المخزونات المغربية، أن 52% من هذه الموارد ما تزال تُصنّف في حالة استغلال مفرط.

ورغم أن هذه النسبة أدنى بكثير من مستوى 87% المسجل قبل عشر سنوات، فإنها تظل بعيدة عن العتبة التي تضمن سلامة النظم البيئية البحرية وقدرتها على التجدد، مما يجعل الاستدامة الحقيقية للمصايد هدفاً لم يتحقق بعد، ويتطلب مزيداً من التقييد والالتزام بخطط الإدارة العلمية.

تُبرز المعطيات التي حملها تقرير CGPM 2025 أن الواجهة المتوسطية للمغرب تعيش واحدة من أكبر التحولات على مستوى المنطقة، بعدما سجلت المملكة أقوى تراجع في كميات المصطادات ضمن نطاق اختصاص اللجنة.

فقد لم تتجاوز الكميات المفرغة 15.556 طناً خلال سنة 2023، أي بانخفاض حاد بلغ 45,7% مقارنة بمتوسط الفترة 2020-2021 الذي كان في حدود 29.308 طناً. هذا الانكماش اللافت يعكس هشاشة المخزونات بالمنطقة وتنامي تأثير العوامل المناخية والبيئية، إضافة إلى تشديد إجراءات المراقبة والتدبير.

ومع ذلك، يظل المغرب حاضراً بثقل واضح في منظومة التسيير العلمي المشترك للمصايد، إذ يشارك في تنفيذ الخطط متعددة السنوات، خصوصاً المتعلقة بمصيدة الدورادا ببحر البوران  التي يتقاسمها مع إسبانيا، فضلاً عن مواكبته تنظيم استغلال المرجان الأحمر اعتماداً على دراسات اجتماعية واقتصادية تهدف إلى عقلنة النشاط وضمان استدامته.

وعلى المستوى الاجتماعي، يبقى قطاع الصيد بالمغرب ركيزة اقتصادية لا يمكن الاستغناء عنها، إذ يوفر 18.251 منصب شغل مباشر على متن سفن الصيد، ما يضع المملكة ضمن أبرز ستة بلدان مشغّلة في المنطقة المتوسطية. كما يتجلى الارتباط القوي للسكان الساحليين بالمهنة من خلال نسبة اعتماد تبلغ 0,68%، وهي من أعلى المعدلات المسجلة في الحوضين.

أما من الناحية الهيكلية، فإن أسطول الصيد المغربي في البحر الأبيض المتوسط المكوّن من 3.302 سفينة يميل بشكل واضح نحو الصيد التقليدي، الذي يمثل العمود الفقري للنشاط ويضمن 44% من عائدات الصيد الساحلي المغربي، وهي نسبة تفوق بكثير المعدل الإقليمي المحدد في 31%.

ويكرّس ذلك الدور المحوري للصيد التقليدي باعتباره شرياناً حيوياً للاقتصاد المحلي ورافعة أساسية لاستقرار المجتمعات الساحلية. ويمتد ثقل الصيد التقليدي ليشكل ركيزة لا غنى عنها في تعزيز دينامية الاقتصاد الساحلي وتقوية صمود المجتمعات المحلية، باعتباره أحد أهم محركات الدخل والاستقرار الاجتماعي في الواجهة المتوسطية.

وفي مقابل التراجع المحسوس في المصايد، يتجه المغرب بخطوات حثيثة نحو الاستزراع المائي باعتباره بديلاً استراتيجياً ورافعة مستقبلية للنمو. فبرغم أن الإنتاج الوطني لا يزال محدوداً نسبياً، إذ لم يتجاوز 790 طناً سنة 2023، إلا أن وتيرة تطوره تعدّ من بين الأسرع في المنطقة، بعدما حققت المملكة قفزة بنسبة 58,1% بين فترتي 2020-2021 و2022-2023، متقدمةً بذلك على دول تمتلك تجارب أقدم وبنيات إنتاجية أوسع.

ويأتي هذا التحول ضمن الرؤية التي نسجتها استراتيجية آليوتيس، القائمة على استثمار المؤهلات الطبيعية للسواحل المغربية وتوسيع قاعدة الأنشطة البحرية، بما في ذلك تنويع المنتجات، مثل إنتاج الطحالب الحمراء. كما عزز المغرب هذا المسار بتدابير مؤسساتية عميقة تمثلت في إحداث وكالة متخصصة هي الوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء البحرية (ANDA)، إلى جانب إعادة تنظيم المجالات المخصصة للاستزراع المائي، بما يوفر إطاراً أكثر وضوحاً للمستثمرين ويرفع جاذبية القطاع في المخططات الجهوية.

وعلى مستوى تدبير السوق، يحافظ المغرب على ميزان تجاري إيجابي في المنتجات البحرية، بفضل دوره كبلد مُصدِّر صافٍ. ومع ذلك، تبقى الحمولة الاستهلاكية من منتجات الاستزراع المائي منخفضة للغاية، إذ لا تتجاوز 0,1 كيلوغرام للفرد سنوياً، في ظل تفضيل المستهلك المغربي لأنواع الأسماك «البرية»، خصوصاً الصغيرة منها.

ويشير التقرير إلى أن جهود التحديث التشريعي التي اعتمدتها المملكة وعلى رأسها منهجية الشباك الوحيد في تدبير رخص الاستزراع تمثل نموذجاً ناجحاً يوصى بتعميمه على بقية دول المنطقة. ورغم هذه الدينامية، لا يخفي التقرير حجم التحديات التي يتعين على المغرب مواجهتها، وفي مقدمتها تأثيرات التغير المناخي، والاعتماد المتزايد على واردات أعلاف وأفرخ الاستزراع، إضافة إلى ضرورة تعزيز مرونة النظم الساحلية في مواجهة الضغوط البيئية.

وبين الحاجة إلى حماية الموارد وبين طموح بناء قطاع بحري أكثر تنافسية، يواصل المغرب ترسيخ مسار توازني يجمع بين تحديث الآليات وضمان استدامة الثروات البحرية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *