البحر أنفو – 07/12/2025 أخبار دولية شهدت جنيف نقاشًا دوليًا واسعًا حول أحد أكثر الملفات إلحاحًا في منظومة حقوق الإنسان، وذلك خلال الدورة التاسعة والخمسين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حيث نظمت الحكومة الفلبينية فعالية محورية حملت عنوان “لا أحد يُترك تائهًا: البحّارة في مواجهة تيارات التجارة والصراع والتغيير”. وقد جاءت هذه المبادرة في سياق الوعي العالمي المتزايد بضرورة حماية حقوق البحّارة، وتمهيدًا للمؤتمر الدولي الدي انعقد في مانيلا ما بين 1 و3 شتنبر 2025 حول حقوق البحّارة وسلامتهم ورفاههم.
الفعالية التي أدارتها مساعدة الوزيرة ماريا تيريزا ت. ألموخويلا، جمعت ممثلين رفيعي المستوى من منظمة العمل الدولية ومن حكومات جزر مارشال والنرويج وبنما وإندونيسيا، إلى جانب خبراء دوليين في المجال البحري. وقد شكّلت هذه الحلقة النقاشية مناسبة لإبراز موقع البحّارة داخل شبكة التجارة العالمية والتهديدات المتزايدة التي يواجهونها نتيجة الأزمات الجيوسياسية وتغير ديناميكيات النقل البحري، إضافة إلى التحديات الإنسانية التي تتفاقم وسط بيئة بحرية معقدة وقاسية.
وشكل قرار مجلس حقوق الإنسان الذي اعتُمد بالإجماع في يوليو 2024 نقطة ارتكاز أساسية في النقاش، إذ أعاد التأكيد على أهمية تعزيز حقوق الإنسان للبحّارة واعتبارهم جزءًا لا يتجزأ من الاستقرار الاقتصادي العالمي. وفي هذا السياق، قدّم ديفيد هاموند، المدير التنفيذي لمنظمة “حقوق الإنسان في البحر الدولية”، مداخلة وازنة سلط فيها الضوء على أهمية إعلان جنيف بشأن حقوق الإنسان في البحر، الذي أطلق سنة 2019 ليعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والفضاء البحري ضمن إطار حقوقي واضح وشامل.
وأوضح هاموند أن الإعلان جاء ليسد فراغًا كبيرًا في الخطاب الحقوقي العالمي، باعتباره وثيقة غير ملزمة قانونيًا لكنها تحمل قوة معنوية ودبلوماسية كبيرة، وتهدف إلى توفير لغة مشتركة للدول والمؤسسات تكفل حماية جميع الأشخاص الذين يعيشون أو يعملون أو يسافرون في البحر. وقد اكتسب الإعلان، بحسب قوله، تأثيرًا متزايدًا داخل المجتمع الدولي خلال السنوات الست الماضية، بفضل انخراط حكومات ومجتمع مدني واسع في تعزيز مكانة حقوق البحّارة ضمن الأجندة الحقوقية العالمية.
وأبرز المتدخلون أن البحّارة يعيشون اليوم في قلب تقاطعات معقدة تجمع بين المخاطر الأمنية الناتجة عن النزاعات البحرية، والضغوط الاقتصادية الناجمة عن التحولات التجارية، والتهديدات الإنسانية التي تطال ظروف العمل والمعيشة في البحر. وشددوا على أن حماية البحّارة ليست مسؤولية قطاعية محصورة، بل التزام دولي يتطلب تضافر الجهود الحكومية والدبلوماسية والحقوقية لضمان كرامة هذه الفئة ورفاهها، خصوصًا وأنها تشكل العمود الفقري لسلاسل التوريد العالمية.
الفعالية شكلت محطة أساسية في مسار الإعداد لمؤتمر مانيلا 2025، إذ من المرتقب أن يشكل هذا الموعد الدولي أكبر تجمع من نوعه لوضع خريطة طريق عالمية متكاملة لحماية البحّارة وتعزيز حقوقهم، وتوحيد المعايير الدولية بين الدول، وتحقيق تقدم ملموس في تحسين ظروف العمل داخل الصناعة البحرية. ويأتي هذا الحراك في لحظة مفصلية، حيث يتجه المجتمع الدولي نحو إعادة الاعتبار للإنسان الذي يقف خلف حركة التجارة البحرية، وضمان عدم ترك أي بحّار “تائهًا” في مواجهة المخاطر المعقدة التي يعرفها العالم المعاصر.
بهذا، تؤكد جنيف مرة أخرى أنها منصة للتوافق الدولي حول القضايا الحقوقية الأساسية، وأن حماية البحّارة لم تعد ملفًا هامشيًا، بل جزءًا من رؤية عالمية تسعى إلى جعل البحر فضاءً تُصان فيه كرامة الإنسان وتتحقق فيه العدالة الإنسانية، بالتوازي مع متطلبات الاقتصاد والتجارة وأمن الملاحة الدولية.