البحر أنفو – 23/12/2025 يشهد الدور التقليدي للموانئ المغربية تحوّلًا نوعيًا يتجاوز وظيفة العبور والتفريغ، في اتجاه تموقع استراتيجي جديد داخل خريطة الطاقة العالمية، مدفوعًا بتنامي الطلب الدولي على الوقود النظيف، خاصة من طرف قطاعي الشحن البحري والصناعات الثقيلة. هذا التحول يضع المغرب أمام فرصة تاريخية للانتقال من فاعل لوجستي إلى محور طاقي إقليمي ودولي.
في هذا السياق، أبرز تقرير حديث لمنصة “ديف ديسكورس”، أُنجز بشراكة بين البنك الدولي وعدد من المؤسسات الوطنية، من ضمنها وزارة التجهيز والماء والوكالة الوطنية للموانئ، وبمساهمات من “مازن” و”إيريسين”، أن الموانئ المغربية، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، تمتلك المؤهلات لتصبح عقدًا مركزية في الاقتصاد العالمي للهيدروجين الأخضر، عبر تزويد الشحن البحري والصناعة والأسواق الأوروبية بالوقود منخفض الكربون.
ويؤكد التقرير أن هذا الطموح يستند إلى مزيج من العوامل التنافسية، أبرزها انخفاض كلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر بالمغرب، وتوفر بنيات تحتية مينائية متطورة، إلى جانب الحاجة الملحة لإرساء إطار تنظيمي واضح يسمح بدمج الإنتاج والنقل والتوزيع في منظومة متكاملة، تحول التفوق المغربي في الطاقات المتجددة إلى رافعة فعلية لإزالة الكربون.
ويضع التقرير المغرب عند تقاطع تحولَين عالميين متسارعين، أولهما التوجه نحو إزالة الكربون من الشحن البحري الدولي، وثانيهما الصعود السريع للهيدروجين الأخضر كحل محوري للصناعات منخفضة الانبعاثات. إذ إن التزامات المنظمة البحرية الدولية بتحقيق الحياد الكربوني لقطاع الشحن في أفق 2050، تجعل الوقودات المشتقة من الهيدروجين، مثل الأمونيا والميثانول الأخضرين، من بين الخيارات الأكثر واقعية للسفن العابرة للمحيطات.
كما تلعب التشريعات الأوروبية دورًا حاسمًا في تسريع هذا التحول، خصوصًا نظام تداول الانبعاثات وقانون FuelEU Maritime، اللذين يرفعان كلفة الوقود الأحفوري على السفن التي ترسو في الموانئ الأوروبية، ما يخلق طلبًا متزايدًا على التزود بالوقود النظيف في الموانئ القريبة، ويمنح الموانئ المغربية أفضلية تنافسية واضحة.
وبحكم موقعه الاستراتيجي عند مضيق جبل طارق، يبرز ميناء طنجة المتوسط كمرشح قوي ليصبح نقطة رئيسية لتزويد السفن العابرة بالوقود الأخضر، خاصة أن جزءًا كبيرًا من التجارة البحرية العالمية يمر عبر هذا الممر البحري الحيوي.
ويرصد التقرير ثلاثة أسواق رئيسية محتملة للهيدروجين الأخضر المغربي، أولها سوق الشحن البحري، حيث يُتوقع أن تحتاج السفن التي تمر أو ترسو قرب الموانئ المغربية إلى ما يقارب ثلاثة ملايين طن من مكافئ الهيدروجين سنويًا بحلول منتصف القرن. أما السوق الثاني، فيهم الصناعة الوطنية، لا سيما صناعات الأسمدة بالجرف الأصفر، ومشاريع الصلب الأخضر المحتملة، إضافة إلى التكرير، وإنتاج الكهرباء، ووقود الطيران المستدام، وهي قطاعات تتطلب كميات كبيرة من الهيدروجين لتحقيق إزالة الكربون.
في حين يتمثل السوق الثالث في التصدير نحو أوروبا، التي يُرتقب أن تعتمد بشكل متزايد على الواردات الخارجية من الهيدروجين الأخضر، نظرًا لمحدودية مواردها من الطاقات المتجددة، ما يفتح آفاقًا واسعة أمام المغرب كمصدر تنافسي وموثوق.
ويشير التقرير إلى أن الأدوار داخل سلسلة قيمة الهيدروجين الأخضر تختلف من ميناء لآخر، إذ يُعد طنجة المتوسط مثاليًا للتزويد بالوقود والخدمات اللوجستية، لكنه يواجه محدودية في المساحات المخصصة للإنتاج واسع النطاق. في المقابل، توفر منطقة طانطان واحدًا من أدنى مستويات كلفة إنتاج الهيدروجين بالمغرب، بفضل موارد استثنائية من الرياح والطاقة الشمسية، غير أنها تحتاج إلى استثمارات كبيرة في البنيات التحتية وتأهيل الموارد البشرية.
ويخلص التقرير إلى أن إطلاق مشاريع تجريبية مبكرة، خصوصًا في مجال تزويد السفن بالوقود الأخضر، إلى جانب اعتماد إطار تنظيمي متماسك وبنيات تحتية مشتركة، كفيل بأن يجعل الموانئ المغربية فاعلًا محوريًا في تجارة عالمية ناشئة للطاقة النظيفة، بما يدعم الأهداف المناخية ويعزز في الآن ذاته التنمية الاقتصادية المستدامة على المدى الطويل.