عاجل
25 ديسمبر 2025 على الساعة 22:14

المحميات البحرية في قلب التحول الاستراتيجي : كتابة الدولة ترسم ملامح اقتصاد أزرق مستدام

البحر أنفو – 25/12/2025 في تحول استراتيجي يعكس وعياً متقدماً بتحديات المرحلة، تتجه كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري إلى جعل المحميات البحرية في صلب سياستها العمومية، باعتبارها آلية محورية لإعادة التوازن بين الاستغلال الاقتصادي للبحر ومتطلبات الحماية البيئية، ضمن رؤية شمولية تروم تثمين السواحل المغربية وتحويلها إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة.

هذا التوجه الجديد، الذي كشفت معالمه زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، خلال مداخلة وُصفت بالمفصلية أمام مجلس المستشارين، يندرج في إطار برنامج تنمية الاقتصاد الأزرق، باعتباره خياراً استراتيجياً للدولة، وليس مجرد تصور نظري أو شعار ظرفي.

المحميات البحرية: من منطق الحماية إلى رهان التنمية

لم تعد المحميات البحرية تُقارب اليوم فقط كفضاءات مغلقة لحماية التنوع البيولوجي، بل كأدوات ذكية لإعادة تأهيل المصايد، وضمان تجدد المخزون السمكي، وتحسين مردودية الصيد التقليدي، وخلق فرص اقتصادية جديدة مرتبطة بالسياحة البيئية والبحث العلمي.
وفي هذا السياق، أعلنت كتابة الدولة عزمها إحداث ثلاث محميات بحرية جديدة بكل من أكادير، العرائش، ورأس الشوكات الثلاث بإقليم الناظور، في مواقع جغرافية ذات حساسية إيكولوجية عالية وأهمية اقتصادية مؤكدة.

وتندرج هذه الخطوة ضمن مخطط وطني يمتد من 2022 إلى 2027، يهدف إلى تعزيز الشبكة الحالية للمحميات البحرية، التي تضم إلى حدود اليوم ثماني مناطق محمية، تشكل نواة لحكامة جديدة للمجال البحري، قوامها الاستدامة والتشاركية والعدالة المجالية.

واجب اعتماد المحميات: حماية المورد وضمان المستقبل

اعتماد المحميات البحرية لم يعد خياراً مؤجلاً، بل واجباً استراتيجياً تفرضه الضغوط المتزايدة على المصايد الوطنية، سواء بفعل التغيرات المناخية، أو الاستغلال المفرط، أو التوسع غير المنظم لبعض الأنشطة البحرية.
فالمحميات تتيح فترات راحة بيولوجية طبيعية، تسمح للأسماك والرخويات بالتكاثر والنمو، ما ينعكس إيجاباً على المناطق المجاورة، ويرفع من مردودية الصيد على المدى المتوسط والبعيد.

كما تساهم هذه الفضاءات في حماية الصيد التقليدي ودعم التعاونيات المحلية، عبر تمكينها من مورد متجدد ومستقر، بعيداً عن منطق الاستنزاف، وهو ما يعزز الأمن الغذائي ويحافظ على النسيج الاجتماعي بالمناطق الساحلية.

الاقتصاد الأزرق: رؤية ملكية وتنزيل حكومي

وفي عرضها، شددت كاتبة الدولة على أن الاقتصاد الأزرق يشكل ترجمة عملية للتوجيهات الملكية السامية، ويتم تنزيله بشراكة مع البنك الدولي، وبمساهمة ثمانية قطاعات حكومية، في مقاربة أفقية غير مسبوقة.

وترتكز هذه الرؤية على ثلاثة أعمدة أساسية:

الأمن الغذائي، من خلال ضمان استدامة الموارد البحرية للأجيال القادمة.

النمو الاقتصادي، عبر خلق فرص شغل جديدة في المهن البحرية والأنشطة الموازية.

الاستدامة البيئية، بصون النظم الإيكولوجية البحرية ومواجهة آثار التغير المناخي.

دور كتابة الدولة: من التنظيم إلى القيادة الاستراتيجية

دور كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري لم يعد مقتصراً على التنظيم والمراقبة، بل انتقل إلى مستوى القيادة الاستراتيجية، من خلال مراجعة الإطار القانوني المنظم للقطاع، خاصة في ما يتعلق بـالصيد الترفيهي، سعياً إلى تحقيق توازن دقيق بين الجذب السياحي وحماية الثروة السمكية من الاستغلال المفرط.

كما تضع كتابة الدولة تربية الأحياء المائية في صدارة رهانات المرحلة المقبلة، باعتبارها بديلاً استراتيجياً لتخفيف الضغط على المصايد الطبيعية، وضمان استمرارية الإمدادات السمكية دون الإضرار بالتوازن الإيكولوجي.

نحو حكامة بحرية جديدة

ما يجري اليوم ليس مجرد إجراءات قطاعية معزولة، بل ملامح حكامة بحرية جديدة، تعيد الاعتبار للعلم، والتخطيط، والاستدامة، وتضع المحميات البحرية في قلب معادلة التنمية.
رهانٌ كبير، لكنه ضروري، لضمان أن يظل البحر المغربي مصدراً للثروة، لا ضحية للاستنزاف، وجسراً للتنمية، لا عبئاً بيئياً مؤجلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *