البحر أنفو – 27/12/2025 في مشهدٍ يزاوج بين رهبة التاريخ ودهشة الحاضر، شهدت قاعة العرض الكبرى بالمتحف المصري الكبير، يوم الثلاثاء، لحظة استثنائية من لحظات بعث الذاكرة الفرعونية، حيث كُشف عن أحد القاربين الجنائزيين للملك خوفو، وهو يُعاد تجميعه قطعةً قطعة أمام أعين الزوار، في عرض حيّ نادر يختصر آلاف السنين في نبضٍ واحد.
القارب المصنوع من خشب الأرز، بطول يناهز 42 مترًا، يُعدّ واحدًا من قاربين عُثِر عليهما سنة 1954 بمحاذاة الجهة الجنوبية للهرم الأكبر. ومنذ ساعات الصباح الأولى، شرع خبراء الترميم في إعادة تركيب أجزائه البالغ عددها 1650 قطعة خشبية، في عملية دقيقة يتوقع أن تمتد على مدى أربع سنوات، وفق ما أكده عيسى زيدان، رئيس قسم الترميم بالمتحف.
هنا، لا يُستعاد الخشب فحسب، بل تُستعاد روح حضارةٍ آمنت بأن العبور إلى الخلود يحتاج سفينةً تليق بالملوك. فالملك خوفو، الذي حكم مصر قبل أكثر من 4500 عام، لم يشيد الهرم الأكبر وحده، بل ترك خلفه رموزًا ملاحية تحكي عن تصورٍ كوني للحياة والموت، حيث تمتزج الطقوس الجنائزية برحلة الشمس، ويصبح القارب جسرًا بين العالمين.
وخلال هذا الحدث الرمزي، قال وزير السياحة والآثار، شريف فتحي: «أنتم تشهدون اليوم أحد أهم مشاريع الترميم في القرن الحادي والعشرين»، في إشارة إلى البعد الحضاري والعلمي لهذا العمل، الذي لا يقل شأنًا عن أعظم الاكتشافات الأثرية الحديثة.

المتحف المصري الكبير، الذي بلغت كلفة إنجازه نحو مليار دولار، وجرى تدشينه رسميًا الشهر الماضي في حفل مهيب، يُقدَّم اليوم كأكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة. ويضم قرابة 50 ألف قطعة أثرية، من بينها الكنوز الكاملة لمقبرة الفرعون الذهبي توت عنخ آمون، المكتشفة سنة 1922، في عرض غير مسبوق من حيث الشمول والدقة.
ويقع المتحف على مقربة من أهرامات الجيزة، عند أطراف القاهرة، ويُعوَّل عليه ليكون رافعة جديدة للسياحة الثقافية، ومتنفسًا اقتصاديًا لبلد يسعى إلى تحويل ذاكرته الحضارية إلى قوة ناعمة مستدامة.
أما القارب، الذي بدأت أعمال استخراج أجزائه الخشبية سنة 2014، فما تزال وظيفته الدقيقة محل نقاش علمي. غير أن أغلب الخبراء يرجحون أنه استُخدم إما لنقل جثمان الملك خوفو خلال مراسمه الجنائزية، أو كقارب شمسي يرافقه في رحلته الأبدية مع الإله رع عبر سماء الخلود.
في هذا الركن من المتحف، لا يقف الزائر أمام أثرٍ صامت، بل أمام حكاية تُروى ببطء، حيث يعود الزمن ليبحر من جديد، على متن قاربٍ ملكيّ، يشقّ أمواج التاريخ نحو الأبد.