البحر أنفو – 28/12/2025 في لحظة يتزايد فيها الضغط على الموارد البحرية وتتقاطع فيها رهانات التنظيم والاستدامة والعدالة داخل قطاع الصيد البحري، انعقدت الدورة العادية للجمع العام لغرفة الصيد البحري الأطلسية الشمالية، لتتحول من موعد إداري روتيني إلى محطة تقييم ومسؤولية، وفضاء للنقاش الهادئ حول ما تحقق وما ينبغي تصحيحه وما يجب التعجيل به.
وخلال هذا الجمع، الدي انعقد يوم الخميس الماضي بالدار البيضاء، صادق أعضاء الغرفة بإجماع الحاضرين على جدول أعمال غني شمل ثماني نقاط محورية، عكست حجم التحديات المطروحة على القطاع، من التدبير المالي والتخطيط المستقبلي، إلى التنظيم القانوني للمصايد، وعصرنة الصيد التقليدي، ومواكبة التحولات التي يعرفها المجال البحري.
الأشغال التي ترأسها رئيس الغرفة، كمال صبري، بحضور رئيس جامعة الغرف وأعضاء الغرفة وأطرها وممثلي بعض المصالح الخارجية، تميزت بنقاش اتسم بالواقعية والوضوح، خصوصًا عند عرض حصيلة الغرفة والحساب الإداري برسم السنة المالية 2025، وهي حصيلة وُصفت بالجدية لكونها استندت إلى منجزات ملموسة، لا إلى وعود مؤجلة.

فالتقرير المعروض أبرز انخراط الغرفة في تفعيل المحاور الاستراتيجية لمخطط “أليوتيس”، باعتباره الإطار المرجعي لتطوير قطاع الصيد البحري، عبر مقاربة تقوم على ثلاث ركائز مترابطة: التنافسية، النجاعة، والاستدامة. وهي محاور لم تبق حبيسة الوثائق، بل تُرجمت إلى تدخلات ميدانية شملت الموانئ ونقط التفريغ وأسواق السمك.
في جانب التنافسية، ركزت الغرفة على تحسين شروط تسويق المنتوج السمكي، من خلال تتبع تعميم الصناديق الموحدة والعازلة للحرارة، وتنظيم حملات تحسيسية لفائدة المهنيين، بهدف الحفاظ على جودة المصطادات وتثمينها. كما واصلت الغرفة مواكبة تأهيل أسواق السمك، والرفع من مستوى خدماتها وبنياتها التحتية، مع الدفع في اتجاه رقمنة عمليات البيع بالمزاد العلني، باعتبارها رافعة للشفافية والتنظيم.
أما محور النجاعة، فقد تمحور حول تأهيل وعصرنة أسطول الصيد، وتحسين البنية التحتية المينائية، عبر تحسيس المجهزين بأهمية صيانة المراكب وضمان شروط السلامة البحرية. كما واصلت الغرفة تتبع وضعية نقط التفريغ الممتدة على شريط ساحلي يناهز 700 كيلومتر، من مولاي بوسلهام شمالًا إلى أمرديتسن جنوب الصويرة، مع العمل على بلورة تصور عملي لعصرنة الصيد التقليدي، يراعي خصوصيات المناطق ويحفظ كرامة البحار وجودة المنتوج.
وفي ما يتعلق بالاستدامة، شدد التقرير على انخراط الغرفة في تتبع مخططات التهيئة، ومحاربة الصيد الجائر، وتقنين استعمال آليات الصيد، إضافة إلى مواكبة تربية الأحياء المائية، وتشجيع البحث العلمي، والاهتمام بالعنصر البشري، من خلال آليات للتواصل والتأطير وبناء مسار تشاركي مع مختلف الفاعلين.
وعلى المستوى المالي، صادق الجمع العام بالإجماع على مشروع ميزانية الغرفة برسم سنة 2026، التي بلغت أزيد من 31 مليون درهم، كما وافق على مخرجات اللجنة الموضوعاتية الخاصة بعصرنة وتأهيل الصيد التقليدي، مع المطالبة بإحداث لجنة إضافية لمواكبة المستجدات التي يعرفها هذا القطاع الحيوي.

كما شكلت القرارات الوزارية المتعلقة بتنطيق مصايد الصيد بالجر والصيد بالخيط محور نقاش صريح، حيث طالب الأعضاء بملاءمتها مع الخصوصيات البحرية للمجال الأطلسي الشمالي. وتمت كذلك دراسة مشروع القرار المتعلق بتحديد الحجم الأدنى للأسماك المصطادة، في حين جرى تأجيل البت في مشروع عقد الالتزام البحري بالصيد الساحلي، مع رفع ملتمس لتنظيم يوم دراسي وطني لتعميق النقاش حوله.
وفي تصريح بالمناسبة، أكد رئيس الغرفة أن هذا الجمع شكل فرصة لتقييم منجزات سنة 2025 والمصادقة عليها، إلى جانب برمجة أولويات سنة 2026، وعلى رأسها التكوين، سواء لفائدة البحارة على متن المراكب، أو في مجالات تثمين المنتوج، والسلامة، والتعامل مع البنيات المينائية. كما أبرز أهمية مشروع صدريات النجاة، الذي سيتم الاشتغال عليه داخل لجنة تقنية منبثقة عن مهنيي الصيد التقليدي، بهدف إخراجه إلى حيز التنفيذ في أقرب الآجال.
وبقراءة شمولية، فإن هذا الجمع العام عكس توجهًا براغماتيًا داخل الغرفة، يقوم على ربط التخطيط بالواقع، والنص القانوني بالممارسة، والتدبير المالي بالنتائج الميدانية. وهو توجه يراهن على التدرج بدل القفز، وعلى الإصلاح الممكن بدل الشعارات، في قطاع لا يحتمل مزيدًا من الارتجال، بقدر ما يحتاج إلى قرارات متزنة ومسؤولة.
واختُتمت أشغال الدورة بتلاوة برقية الولاء المرفوعة إلى السدة العالية بالله، في محطة تؤكد أن تنظيم قطاع الصيد البحري لم يعد ترفًا مؤسساتيًا، بل ضرورة وطنية تفرضها حماية الثروة السمكية وضمان استدامتها للأجيال القادمة.