عاجل
6 يناير 2026 على الساعة 15:37

أكبر حدث افتراس بحري موثَّق في تاريخ المحيطات… حين كشفت التكنولوجيا ما كان خفيًا تحت سطح الأطلسي

البحر أنفو – 06/01/2026 أكبر حدث افتراس بحري موثَّق في تاريخ المحيطات… حين كشفت التكنولوجيا ما كان خفيًا تحت سطح الأطلسي متابعة:

سجّل المحيط الأطلسي مؤخرًا حدثًا غير مسبوق في تاريخ علم الأحياء البحرية، تمثّل في أكبر عملية افتراس جماعي جرى توثيقها علميًا حتى اليوم. فقد رصد باحثون دوليون تجمعًا هائلًا لأسماك القدّ الأطلسي وهي تهاجم سربًا عملاقًا من سمك الكابيلان، أحد أهم الأنواع السمكية في النظم البيئية القطبية، في مشهد يعكس دقة التوازن الطبيعي وهشاشته في آن واحد.

الكابيلان… حجر الأساس في السلسلة الغذائية القطبية

يُعدّ الكابيلان سمكة صغيرة الحجم لكنها ذات أهمية مركزية في المحيطات الباردة، إذ تشكّل غذاءً رئيسيًا لعدد كبير من الكائنات البحرية، من بينها سمك القدّ، والفقمات، والطيور البحرية. وخلال موسم التكاثر، تتجمع هذه الأسماك بأعداد ضخمة لوضع البيوض، ما يحوّلها إلى هدف مغرٍ للمفترسات ويخلق ظروفًا مثالية لحدوث افتراس واسع النطاق.

كيف رُصد ما لا يُرى؟

يمثل تتبع مثل هذه الظواهر في محيط شاسع ومتغير تحديًا علميًا بالغ التعقيد. ولمواجهة ذلك، اعتمد فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) ومعهد الأبحاث البحرية في النرويج على تقنية متقدمة تُعرف باسم الاستشعار الصوتي البحري واسع النطاق (OAWRS).

وتقوم هذه التقنية على إرسال موجات صوتية من سفن الأبحاث، ثم تحليل الأصداء المرتدة من أسراب الأسماك، بطريقة تشبه عمل الرادار، لكن على نطاق بحري واسع يمتد لعشرات الكيلومترات. وتتيح هذه المنظومة رسم خرائط لحظية لحركة ملايين الأسماك، وفهم أنماط تجمعها وتفاعلها في الزمن الحقيقي.

كما استخدم الباحثون تقنية تحليل صوتي متعددة الأطياف، تسمح بتمييز الأنواع المختلفة اعتمادًا على خصائص ترددات الصوت الصادرة عن مثاناتها الهوائية، ما مكّنهم من الفصل الدقيق بين الكابيلان وسمك القدّ رغم تداخل تجمعاتهما.

مشهد غير مسبوق في بحر بارنتس

وقعت هذه الملاحظة الاستثنائية في بحر بارنتس، قبالة السواحل النرويجية. ففي بداية اليوم، كانت أسراب الكابيلان موزعة في مجموعات صغيرة تبحث عن مواقع مناسبة للتكاثر. غير أن حركتها التدريجية أدت إلى اندماجها في كتلة واحدة ضخمة، تحولت إلى ما يشبه “موجة حيّة” متماسكة.

وقدّر العلماء أن نحو 23 مليون سمكة كابيلان شكّلت منطقة كثيفة امتدت لحوالي عشرة كيلومترات. هذا التجمع الدفاعي الهائل لم يمرّ دون أن يلفت انتباه المفترسات، إذ سارعت أسراب سمك القدّ إلى التجمع بدورها، مشكلة قوة افتراس جماعية غير مسبوقة.

وفي غضون ساعات قليلة، انضم ما يقارب 2.5 مليون سمكة قدّ إلى الهجوم، ما أسفر عن افتراس أكثر من 10 ملايين كابيلان، أي ما يفوق نصف السرب الأصلي، في واحدة من أعنف عمليات الافتراس المسجّلة في البيئات البحرية المفتوحة.

توازن بيئي دقيق تحت التهديد

رغم ضخامة الحدث، يشير الباحثون إلى أن هذا السرب لا يمثل سوى جزء محدود من إجمالي مخزون الكابيلان. غير أن القلق الحقيقي يكمن في السياق الأوسع، المرتبط بتغير المناخ وذوبان الجليد في المناطق القطبية.

فمع تراجع الغطاء الجليدي في القطب الشمالي، تضطر أسماك الكابيلان إلى قطع مسافات أطول بحثًا عن مناطق مناسبة للتكاثر، ما يزيد من تعرضها للمفترسات ويضاعف مخاطر الاستنزاف. ويحذر العلماء من أن تكرار مثل هذه الأحداث واسعة النطاق قد يؤدي، على المدى المتوسط، إلى اختلالات عميقة في السلاسل الغذائية البحرية.

من الرصد إلى الحماية

يعتزم الفريق البحثي توسيع استخدام تقنية OAWRS لدراسة أنواع بحرية أخرى، بهدف تحديد “النقاط الساخنة” التي تشهد أعلى مستويات الافتراس والتوتر البيئي. وتُعد هذه المعطيات أداة بالغة الأهمية لدعم قرارات هيئات تدبير المصايد وحماية البيئة البحرية، خاصة في ظل تزايد الضغوط البشرية مثل الصيد الجائر.

نحو إدارة مستدامة للمحيطات

تُبرز هذه الدراسة كيف يمكن للتكنولوجيا المتقدمة أن تكشف ديناميات خفية ظلت لعقود خارج نطاق الملاحظة المباشرة. كما تؤكد أن فهم التفاعلات المعقدة بين الأنواع البحرية لم يعد ترفًا علميًا، بل ضرورة ملحّة لصون التوازن البيئي للمحيطات.

ففي عالم يتغير مناخُه بوتيرة متسارعة، قد تكون القدرة على رصد هذه الظواهر والتنبؤ بها مفتاحًا أساسيًا للحفاظ على صحة النظم البيئية البحرية، وضمان استدامتها للأجيال القادمة.

وكالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *