عاجل
16 يناير 2026 على الساعة 23:21

تلوّث البلاستيك: غرينبيس تدق ناقوس الخطر وتكشف اختلالات النموذج المغربي

البحر أنفو – 16/01/2026 تلوّث البلاستيك: غرينبيس تدق ناقوس الخطر وتكشف اختلالات النموذج المغربي متابعة:

يجد المغرب نفسه اليوم في مواجهة أحد أخطر التحديات البيئية ذات الامتداد العالمي، والمتمثل في التلوث البلاستيكي، الذي بات يضغط بثقله على النظم البيئية البحرية، ويهدد التوازنات الاقتصادية والصحية على حد سواء. هذا ما خلص إليه تقرير حديث أصدرته منظمة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA) تحت عنوان «مشكلة عالمية، حلول محلية»، صدر في ديسمبر 2025، ودقّ ناقوس الخطر بشأن واقع مقلق لا تزال معالجته دون مستوى التحديات المطروحة.

وبحسب التقرير، يُنتج المغرب سنويًا ما يقارب 570 ألف طن من البلاستيك، لا يُعاد تدوير سوى 8% منها، فيما ينتهي المطاف بنحو 75 ألف طن في البحر، ما يجعل المملكة من بين أكثر الدول تضررًا من التلوث البلاستيكي في حوض البحر الأبيض المتوسط. ويكشف التقرير عن معدل صادم يتمثل في وجود 730 نفاية بلاستيكية لكل 100 متر من الشواطئ المغربية، في مؤشر صارخ على حجم الضغط البيئي الذي تعرفه السواحل الوطنية.

فجوة بين التشريع والممارسة

ورغم تبني المغرب سنة 2016 لقانون حظر الأكياس البلاستيكية المعروف بـ«زيرو ميكا»، إلا أن التقرير يؤكد أن الاستهلاك الفعلي لم يعرف الانخفاض المنشود. إذ لا تزال البلاد تسجّل استعمالًا سنويًا يناهز 26 مليار كيس بلاستيكي، أي بمعدل يقارب 800 كيس للفرد الواحد. أرقام تعكس بوضوح اتساع الفجوة بين النصوص القانونية وسلوكيات الاستهلاك اليومية، وضعف آليات المراقبة والزجر.

ويثير التقرير كذلك مسألة استيراد النفايات البلاستيكية من الاتحاد الأوروبي في إطار عقود تُبرر بضرورات المعالجة وإعادة التدوير، معتبرًا أن هذا التوجه يُكرّس ما وصفه بـ«استعمار النفايات»، حيث تتحول دول الجنوب إلى وجهة لتصريف فائض البلاستيك القادم من الشمال.

وفي السياق ذاته، يتوقع التقرير ارتفاع صادرات المغرب من البلاستيك من 251 مليون دولار سنة 2023 إلى نحو 298 مليون دولار بحلول 2028، ما يعكس دينامية اقتصادية واضحة، لكنها تطرح في المقابل تساؤلات عميقة حول كلفة هذا النمو على البيئة والصحة العمومية.

كلفة بشرية وبيئية متصاعدة

لا تتوقف تداعيات التلوث البلاستيكي عند حدود البيئة البحرية، بل تمتد إلى الإنسان نفسه. إذ يحذر التقرير من المخاطر الصحية المتزايدة المرتبطة باستنشاق الجزيئات البلاستيكية الدقيقة، خاصة في صفوف الأطفال والعاملين في جمع النفايات، المعروفين محليًا بـ«البوعارة». هؤلاء يشكلون، بحسب غرينبيس، العمود الفقري غير المرئي لمنظومة إعادة التدوير، إذ يساهمون بما يقارب 90% من عمليات جمع البلاستيك في المدن، دون أي اعتراف قانوني أو حماية اجتماعية.

ويأتي هذا الضغط البيئي في سياق ديمغرافي متسارع، حيث تضاعف عدد سكان المغرب ثلاث مرات منذ سنة 1960 ليبلغ حوالي 38 مليون نسمة، ما زاد من حدة الضغط على السواحل والبنيات التحتية الخاصة بتدبير النفايات.

مبادرات محلية… وإمكانات غير مستثمرة

ورغم قتامة الصورة، لا يخلو التقرير من إشارات إيجابية، إذ يسلط الضوء على مبادرات مغربية رائدة، من بينها تجربة جمعية سورفرايدر فاونديشن المغرب، التي تجمع بين تنظيف الشواطئ، والتربية البيئية، وجمع المعطيات العلمية حول النفايات. وتتميز هذه المبادرات، بحسب غرينبيس، بقدرتها على مخاطبة الشباب بلغتهم، واعتماد الدارجة كوسيلة للتوعية، وربط العمل الميداني بالنقاش العمومي والسياسات البيئية.

غير أن التقرير يقرّ بأن هذه الجهود تصطدم بجهاز مؤسساتي ما يزال غير مهيأ بما يكفي لاحتضان الفعل المجتمعي، خاصة في ظل غياب إطار قانوني يُنصف العاملين في القطاع غير المهيكل، ويضمن إدماجهم ضمن سلاسل التدبير الحديثة للنفايات.

سياسات عمومية بطموحات كبيرة وتنفيذ متعثر

على المستوى الرسمي، يبرز التقرير جملة من البرامج والاستراتيجيات التي أطلقها المغرب، من بينها الاستراتيجية الوطنية لساحل بدون بلاستيك (LISP)، وفرض إيكو-تاكس على المنتجات البلاستيكية، إلى جانب الاستراتيجية الوطنية لتقليص وتثمين النفايات (SNRVD)، التي تستهدف بلوغ نسبة 70% من إعادة التدوير بحلول 2030، مع تعهد رسمي بإدماج 50% من جامعي النفايات غير المهيكلين في الاقتصاد المنظم.

غير أن الواقع الميداني، كما يشير التقرير، يكشف عن تحديات بنيوية تتعلق بندرة التمويل، وضعف التنسيق بين المتدخلين، وصعوبة تنزيل السياسات المركزية على المستوى المحلي.

من التدبير التقني إلى التحول المجتمعي

يخلص تقرير غرينبيس إلى أن معركة مواجهة التلوث البلاستيكي لا يمكن كسبها عبر حلول تقنية معزولة، بل تتطلب تحولًا عميقًا في النموذج التنموي والسلوكي، قائمًا على إدماج الفاعلين المحليين، والاعتراف بالخبرات التقليدية، ودعم المبادرات المواطِنة.

ويضرب التقرير مثالًا بـزرابي “البوشرويت”، التي تجسد ثقافة إعادة الاستخدام داخل المجتمع المغربي، باعتبارها نموذجًا حيًا لإبداع شعبي يمكن البناء عليه لترسيخ اقتصاد دائري متجذر في الثقافة المحلية.

أزمة إقليمية وحلول مشتركة

ولا يقتصر هذا الوضع على المغرب وحده، إذ يشير التقرير إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا برمتها تواجه أزمة بلاستيكية خانقة، مع استعراض تجارب ناجحة في مصر ولبنان وتونس، تجمعها قناعة واحدة: السياسات البيئية تظل قاصرة ما لم تُبْنَ بتشاركية حقيقية مع المجتمعات المحلية.

وتكشف استطلاعات الرأي الواردة في التقرير أن 94% من المغاربة يعتبرون تدبير النفايات البلاستيكية قضية بالغة الأهمية، فيما يؤيد 70% منهم تشديد القوانين البيئية، ما يعكس وجود وعي مجتمعي جاهز للانخراط في التغيير.

في المحصلة، يؤكد التقرير أن مواجهة تلوث عالمي بهذا الحجم لا يمكن أن تنجح إلا عبر حلول محلية، شاملة، وعادلة، تستثمر الطاقات المجتمعية وتمنحها المكانة التي تستحقها. فالمغرب يمتلك المقومات الثقافية والبشرية الكفيلة بإحداث التحول، شرط أن تُواكَب بإرادة مؤسساتية حقيقية ودعم مالي مستدام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *