عاجل
27 يناير 2026 على الساعة 11:12

في إطار الربط القاري … مشروع النفق البحري بين المغرب وإسبانيا يدخل مرحلة دراسات ميدانية حاسمة

البحر أنفو – 27/01/2026 قطع مشروع النفق البحري الرابط بين المغرب وإسبانيا عبر مضيق جبل طارق خطوة جديدة على مسار التفعيل التقني، بعد أن أوكلت الحكومة الإسبانية إلى المجلس الأعلى للبحث العلمي مهمة إنجاز دراسة علمية مفصلة لقاع البحر بمنطقة عتبة كامارينال، إحدى أكثر النقاط حساسية وتعقيداً ضمن مسار الربط القاري المرتقب بين أوروبا وإفريقيا.

ويأتي هذا القرار في إطار سعي مدريد إلى تحديث المعطيات الجيولوجية والهندسية الخاصة بالمضيق، وتقليص هامش عدم اليقين التقني الذي ظل يرافق المشروع لعقود، خاصة في ما يتعلق بطبيعة التكوينات الصخرية لقاع البحر ومدى قابليتها لاحتضان بنية نفق سككي عابر للقارات.

وبحسب معطيات رسمية، رُصد غلاف مالي يناهز 553 ألف يورو لإنجاز هذه الدراسة، بتمويل من الشركة الإسبانية للدراسات الخاصة بالاتصال القاري عبر المضيق، موزع على سنتي 2025 و2026، ويغطي الحملة الأوقيانوغرافية، ومعالجة وتحليل البيانات العلمية، إلى جانب الاجتماعات التقنية والتكاليف المرتبطة بالبحث.

ويستند هذا التكليف إلى قرار إداري وقّع في 26 دجنبر 2025، ونُشر في الجريدة الرسمية الإسبانية نهاية الشهر نفسه، ما يضفي طابعاً مؤسساتياً رسمياً على هذه الأشغال، ويؤشر على دخول المشروع مرحلة أكثر تقدماً على مستوى الدراسات الميدانية.

وتُعد عتبة كامارينال من أكثر المناطق تعقيداً من الناحية الجيولوجية داخل مضيق جبل طارق، نظراً لتداخل الطبقات الصخرية العميقة، ووجود تكوينات جيولوجية غير مستقرة نسبياً، وهو ما يجعل أي قرار نهائي بشأن مسار النفق رهيناً بمعطيات علمية دقيقة تستند إلى القياسات المباشرة والتحاليل المختبرية.

ومن المرتقب أن تُنجز الحملة البحثية البحرية قبل نهاية النصف الأول من سنة 2026، على أن تمتد أشغال العمل الميداني في البحر لنحو 15 يوماً، وتشمل إنجاز خرائط باتيمترية عالية الدقة، ودراسة طبقات ما تحت القاع باستخدام تقنيات متقدمة، إلى جانب أخذ عينات من الرواسب والصخور وإخضاعها لاختبارات مخبرية متخصصة. وستُدمج نتائج هذه العمليات ضمن نموذج جيولوجي ثلاثي الأبعاد، يُعتمد عليه في تقييم الجدوى التقنية للمشروع في هذه المنطقة الحساسة.

وسيتولى المجلس الأعلى للبحث العلمي تنفيذ هذه الدراسة عبر تعبئة خبرات ثلاث مؤسسات علمية متخصصة، هي المعهد الجيولوجي والمعدني الإسباني، والمعهد الإسباني لعلوم المحيطات، ومعهد علوم البحار، مع إشراك المعهد الهيدروغرافي للبحرية الإسبانية والمسح الجيولوجي الأمريكي ضمن مجموعة عمل دولية، ما يعكس الطابع الدقيق والمعقد لهذه المهمة.

وتُجرى الأبحاث داخل نطاق بحري مصنف كمنطقة خاصة للحفاظ البيئي، إضافة إلى خضوعه لخطة حماية الحيتان القاتلة، وهو ما يفرض احترام شروط بيئية صارمة، والحصول على تراخيص خاصة، مع الالتزام بإطار التعاون القائم بين المغرب وإسبانيا في ما يخص تدبير هذا المجال البحري المشترك.

وتؤكد المعطيات المتوفرة أن هذا التكليف لا يترتب عنه أي نقل للاختصاصات الإدارية أو التقنية، إذ ستظل شركة الدراسات الخاصة بالاتصال القاري الجهة المالكة للمشروع، بينما يقتصر دور المجلس الأعلى للبحث العلمي على تنفيذ الجوانب البحثية والعلمية. كما ستعود ملكية نتائج الدراسة إلى الشركة، مع السماح باستعمالها لأغراض علمية وتواصلية دون توظيف تجاري.

ويأتي هذا التطور في أعقاب تقرير تقني سابق أنجزته شركة ألمانية متخصصة في حفر الأنفاق، خلص إلى أن إنجاز نفق سككي تحت مضيق جبل طارق يبقى ممكناً من الناحية التقنية، رغم التحديات الجيولوجية المعقدة. ووفق التقرير، قد تمتد المرحلة الأولى، المخصصة لإنجاز نفق استطلاعي، بين ست وتسع سنوات، فيما تتراوح الآفاق الزمنية الواقعية لإنجاز الربط القاري الكامل بين سنتي 2035 و2040.

وتُقدّر الكلفة الإجمالية للمشروع بأكثر من 8,5 مليارات يورو، تشمل إنجاز النفق الاستطلاعي والأنفاق الرئيسية ومحطات الربط والتجهيزات التقنية المصاحبة، مع تركيز خاص على المقاطع الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها عتبة كامارينال، المعروفة بتركيبتها الجيولوجية الصعبة ووجود تكوينات صخرية تفرض تقنيات حفر متقدمة.

ويُعد مشروع الربط القاري عبر مضيق جبل طارق أحد أقدم المشاريع الاستراتيجية المشتركة بين المغرب وإسبانيا، غير أنه ظل رهين الجمود لفترات طويلة قبل أن يُعاد إحياؤه منذ سنة 2023، في سياق توجهات جديدة ترمي إلى تعزيز الربط بين القارتين وتطوير البنيات التحتية العابرة للحدود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *