عاجل
31 يناير 2026 على الساعة 10:28

محكمة بنما تقلب موازين إدارة موانئ القناة وتفتح فصلاً جديداً في الصراع الجيوسياسي

البحر أنفو – 31/01/2026 محكمة بنما تقلب موازين إدارة موانئ القناة وتفتح فصلاً جديداً في الصراع الجيوسياسي متابعة:

أصدرت المحكمة العليا في بنما حكماً يقضي بعدم دستورية العقد الممنوح لشركة «سي كيه هاتشيسون» القابضة، التابعة لرجل الأعمال لي كا-شينغ، لتدبير ميناءين استراتيجيين قرب قناة بنما، في قرار من شأنه إعادة رسم خريطة النفوذ حول أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وتعميق التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالصراع الأمريكي-الصيني.

ويضع الحكم، الذي جرى الإعلان عنه في وقت متأخر عبر بيان مقتضب، حداً قانونياً لعقد استمر منذ أواخر التسعينيات، ويفتح الباب أمام مرحلة انتقالية جديدة في إدارة موانئ بالبووا وكريستوبال. كما أدى القرار إلى إرباك خطط الشركة المالكة، حيث سجل سهم «سي كيه هاتشيسون» تراجعاً حاداً في بورصة هونغ كونغ، وسط مخاوف المستثمرين من تداعيات قانونية ومالية محتملة.

وفي أول رد رسمي، أعلن الرئيس البنمي خوسيه راؤول مولينو أن حكومته دخلت في مشاورات مع شركة «إيه بي إم تيرمينالز»، التابعة لمجموعة «إيه بي مولر-ميرسك» الدنماركية، لتولي تسيير الميناءين بشكل مؤقت، إلى حين إطلاق مسطرة جديدة لتفويت الامتياز عبر مسار شفاف يراعي المصالح السيادية لبنما. وأوضح أن الشركة الحالية ستواصل عملها إلى غاية استكمال الإجراءات القانونية، داعياً جميع الأطراف إلى التعاون لتفادي أي اضطراب في حركة الملاحة والتجارة.

من جهتها، اعتبرت شركة «باناما بورتس كومباني»، الفرع المحلي لـ«سي كيه هاتشيسون»، أنها لم تتوصل بعد بإشعار رسمي بالحكم، مشككة في انسجام القرار مع الإطار القانوني الذي تستند إليه عملياتها منذ سنوات. وأكدت الشركة احتفاظها بكافة الخيارات القانونية الممكنة، بما في ذلك اللجوء إلى التحكيم الدولي، مع التشديد على ضرورة التنسيق مع السلطات لتأمين استمرارية الخدمات المينائية.

وعلى المستوى الدولي، سارعت بكين إلى التعبير عن موقفها، حيث شددت وزارة الخارجية الصينية على أنها ستتخذ ما يلزم لحماية مصالح شركاتها، معتبرة أن القرار لا يمكن فصله عن الضغوط السياسية المتصاعدة التي تمارسها الولايات المتحدة للحد من النفوذ الصيني في البنى التحتية الاستراتيجية بأمريكا اللاتينية.

ويأتي هذا التطور في سياق تصاعد الجدل حول قناة بنما، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى ساحة تنافس جيوسياسي حاد. فبينما يروج الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لضرورة تقليص الحضور الصيني في هذا الممر الحيوي، تؤكد السلطات البنمية تمسكها بسيادتها الكاملة على القناة ومرافقها، رافضة أي وصاية خارجية.

وكان الطعن في العقد قد تقدم به المراقب العام البنمي أنيل فلوريس، الذي اعتبر أن تمديد الامتياز سنة 2021 تم دون احترام المساطر القانونية، وتسبب في خسائر ضريبية فادحة لخزينة الدولة، تتجاوز مليار دولار. كما كشف عن اختلالات مرتبطة بالموافقات الإدارية، ما عجل بإطلاق افتحاص شامل لقطاع الموانئ.

ويحد الحكم القضائي من الخيارات المتاحة أمام المجموعة المالكة، إذ لا يسمح القانون بالطعن في القرار، مع الإبقاء فقط على إمكانية طلب التوضيح أو اللجوء إلى التحكيم الدولي، وهي مساطر قد تستغرق أسابيع أو أشهراً.

وتندرج هذه القضية ضمن مخطط أوسع تسعى من خلاله «سي كيه هاتشيسون» إلى بيع عشرات الموانئ حول العالم، ضمن صفقة قد تتجاوز قيمتها 19 مليار دولار، لفائدة تحالف دولي تقوده شركة «تيرمينال إنفستمنت» وصندوق «بلاك روك» الأمريكي. غير أن المستجدات القانونية في بنما مرشحة لتقليص قيمة الصفقة وإعادة التفاوض حول هيكلتها.

ويرى محللون أن ما يجري يعكس توجهاً عالمياً متزايداً نحو إعادة النظر في امتيازات البنى التحتية الحيوية، في ظل اعتبارات الأمن القومي والمنافسة الجيوسياسية، مؤكدين أن موانئ العالم باتت في صلب صراع النفوذ بين القوى الكبرى، حيث لم تعد القرارات الاقتصادية بمعزل عن الحسابات السياسية والاستراتيجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *