البحر أنفو – 05/03/2026 في مشهد يعكس الترابط العميق بين الجغرافيا السياسية وأسواق الطاقة، سجلت تكاليف استئجار ناقلات النفط والغاز قفزة غير مسبوقة، مع دخول حركة الملاحة عبر مضيق هرمز مرحلة شلل شبه كامل بفعل التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط. هذا التطور المفاجئ أعاد إلى الأذهان حساسية سلاسل الإمداد العالمية تجاه أي اضطراب يطال أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.
فبحسب بيانات بورصة البلطيق في لندن، ارتفعت تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة بسعة مليوني برميل على خط الشرق الأوسط – الصين إلى 481 ألف دولار يومياً، وهو مستوى يقترب من نصف مليون دولار في اليوم الواحد، بزيادة تقارب أربعة أضعاف مقارنة بمستويات منتصف فبراير الماضي. وكانت الأسعار قد سجلت قفزة حادة يوم الاثنين لتبلغ 423.7 ألف دولار يومياً، بارتفاع يفوق 94 في المائة مقارنة بإغلاق الجمعة السابقة، وفق بيانات منصة إل إس إي جي.
ولا يقتصر الارتفاع على المسار الخليجي – الآسيوي، بل امتد إلى خطوط الشحن العابرة للقارات. ففي الولايات المتحدة، صعدت تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة لرحلة كاملة من ساحل الخليج الأمريكي إلى آسيا إلى 26.9 مليون دولار، أي ما يعادل أكثر من 13 دولاراً لكل برميل من النفط المنقول. هذه الأرقام تعني عملياً أن جزءاً مهماً من تكلفة الطاقة النهائية بات يُستنزف في بند النقل البحري وحده، ما يهدد بإعادة تغذية موجة تضخمية في حال استمرار التصعيد.
كما شهدت سوق الغاز الطبيعي المسال تطورات مماثلة، إذ ارتفعت أسعار استئجار الناقلات عبر الأطلسي بنحو 40 في المائة لتصل إلى 61.5 ألف دولار يومياً، فيما قفزت الأسعار عبر المحيط الهادئ بنسبة 45 في المائة لتبلغ 41 ألف دولار يومياً مقارنة بإغلاق الجمعة الماضية. ويعكس هذا الاتجاه حالة القلق المتزايدة لدى الفاعلين في السوق، سواء بسبب المخاطر الأمنية أو ارتفاع أقساط التأمين البحري المرتبطة بمناطق النزاع.
وتكمن خطورة الوضع في أن مضيق هرمز يُعد شرياناً حيوياً تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، وأي اضطراب في انسيابية المرور عبره ينعكس فوراً على كلفة الشحن وتوازن العرض والطلب. ومع تقليص عدد السفن العابرة وارتفاع المخاطر التشغيلية، تجد شركات الملاحة نفسها مضطرة لفرض علاوات إضافية لتغطية التأمين ومخاطر الحرب، وهو ما يفسر التسارع الحاد في الأسعار خلال أيام قليلة فقط.
المؤشرات الراهنة توحي بأن الضغط على أسعار الشحن البحري للنفط والغاز قد يستمر في المدى القريب، خصوصاً إذا لم تُسجل انفراجة سياسية تعيد الاستقرار إلى المنطقة. وفي ظل هذا المناخ، تبدو أسواق الطاقة أمام مرحلة حساسة، حيث لم تعد تقلبات الأسعار مرتبطة فقط بأساسيات العرض والطلب، بل أصبحت رهينة مباشرة للتطورات الأمنية في الممرات البحرية الاستراتيجية.
بهذا المعنى، فإن ما يحدث اليوم لا يمثل مجرد ارتفاع ظرفي في كلفة النقل، بل يعكس هشاشة النظام الطاقي العالمي أمام الصدمات الجيوسياسية، ويؤكد أن أمن الممرات البحرية يظل عنصراً حاسماً في استقرار أسواق النفط والغاز على حد سواء.