عاجل
30 مارس 2026 على الساعة 11:31

“ الأخطبوط” يجتاح سواحل إنجلترا أو حين يغيّر دفء البحر خريطة الكائنات البحرية …ظاهرة غير مسبوقة منذ 75 عاماً

البحر أنفو – 30/03/2026 أخبار دولية تشهد السواحل الجنوبية للمملكة المتحدة، وخاصة قبالة منطقتي ديفون وكورنوال، تحولاً بيئياً لافتاً تمثل في تزايد غير مسبوق لأعداد الأخطبوط، في ظاهرة وُصفت إعلامياً بـ“الاجتياح”، بعدما كان ظهور هذا الكائن البحري نادراً للغاية في تلك المياه إلى حدود السنوات القليلة الماضية. هذا التطور، الذي برز بشكل واضح خلال سنة 2025، لم يعد مجرد ملاحظة عابرة، بل تحول إلى موضوع بحث علمي واسع، بالنظر إلى دلالاته البيئية والاقتصادية العميقة.

المعطيات الصادرة عن الأوساط العلمية، خاصة تلك التي اعتمدت على بيانات المصايد التجارية والمسوح البحرية، تشير إلى أن كميات الأخطبوط المصطادة بلغت مستويات قياسية، إذ فاقت المعدلات المعتادة بنحو 65 مرة، وهو رقم غير مسبوق منذ ما يقارب 75 سنة. هذا الارتفاع الكبير دفع الباحثين إلى البحث في الأسباب الكامنة وراء هذا التحول المفاجئ في توزيع هذا النوع البحري.

ويُجمع العلماء على أن العامل الحاسم في هذه الظاهرة هو الارتفاع الملحوظ في درجات حرارة مياه البحر المحيطة بالجزر البريطانية، حيث سجلت زيادة تتراوح بين 1.5 و3 درجات مئوية فوق المعدلات الطبيعية. هذا الارتفاع، رغم أنه يبدو محدوداً من الناحية العددية، إلا أنه كان كافياً لإحداث تغيير جذري في طبيعة البيئة البحرية، محولاً المياه الباردة نسبياً إلى وسط ملائم لحياة الأخطبوط، الذي يفضل عادة المياه الدافئة في البحر الأبيض المتوسط وشرق المحيط الأطلسي.

وقد ارتبط هذا التغير الحراري بظاهرة تعرف بـ“موجات الحر البحرية”، وهي فترات طويلة ترتفع خلالها حرارة مياه المحيط بشكل غير اعتيادي، سواء على السطح أو في الأعماق. هذه الظروف الاستثنائية ساهمت في خلق بيئة مثالية لتكاثر الأخطبوط، خاصة خلال المراحل الأولى من حياته، حيث ساعدت درجات الحرارة المرتفعة، إلى جانب فصول صيف حارة وشتاء معتدل، على زيادة معدلات بقاء الصغار، وبالتالي ارتفاع أعداد الأفراد الذين يصلون إلى مرحلة النضج.

ولا يقتصر تفسير هذه الظاهرة على العامل الحراري فقط، بل يمتد ليشمل تأثير التيارات البحرية وأنماط الرياح. فقد أظهرت النماذج العلمية أن بعض التغيرات في حركة المياه، خاصة مع هبوب رياح شرقية، ساهمت في دفع كتل مائية من القناة الإنجليزية نحو السواحل الجنوبية الغربية، حاملة معها يرقات الأخطبوط، وهو ما عزز من تواجد هذا النوع بشكل أكبر في تلك المناطق.

هذا التحول البيئي لم يمر دون انعكاسات اقتصادية مباشرة، حيث وجد عدد من الصيادين أنفسهم أمام واقع جديد، دفعهم إلى تغيير أنشطتهم التقليدية، والانتقال من صيد القشريات إلى استهداف الأخطبوط، مستفيدين من وفرة غير مسبوقة. وقد شهدت مبيعات الأخطبوط خلال الأشهر الأولى من سنة 2025 ارتفاعاً كبيراً، إذ قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6.7 و9.4 ملايين جنيه إسترليني، ما يعكس بروز فرصة اقتصادية جديدة، لكنها تظل مرتبطة بظروف بيئية غير مستقرة.

ورغم هذا الجانب الإيجابي المؤقت، يثير هذا التوسع في أعداد الأخطبوط قلقاً متزايداً لدى الأوساط العلمية والبيئية، بالنظر إلى تأثيراته المحتملة على التوازن البيئي البحري. فالأخطبوط يُعد من المفترسات النشيطة، وقد يؤدي انتشاره إلى الضغط على مخزونات القشريات وأنواع أخرى، ما قد يخل بسلسلة الغذاء البحرية ويؤثر على باقي الكائنات.

وفي هذا السياق، يؤكد الباحثون أن ما يحدث اليوم قد لا يكون حالة معزولة، بل مؤشر على تحولات أعمق قد تشهدها النظم البيئية البحرية مستقبلاً، في ظل استمرار التغير المناخي. فالكائنات ذات الدورة الحياتية القصيرة، مثل الأخطبوط، تستجيب بسرعة للتغيرات الحرارية، ما يجعلها من أولى الأنواع التي تعكس آثار الاحترار العالمي على المحيطات.

أمام هذه المعطيات، تتجه الدعوات نحو تعزيز البحث العلمي ومراقبة التطورات عن كثب، مع التأكيد على ضرورة حماية المواطن البحرية الحساسة، وفهم كيفية التكيف مع واقع بحري يتغير بوتيرة متسارعة. فظاهرة انتشار الأخطبوط في جنوب إنجلترا، بما تحمله من مؤشرات، تبرز بوضوح أن المحيطات لم تعد كما كانت، وأن توازناتها الدقيقة أصبحت أكثر هشاشة أمام تقلبات المناخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *