البحر أنفو – 01/04/2026 طنجة… اجتماع حاسم لغرفة الصيد البحري المتوسطية يكشف اختلالات مقلقة ويضع الاستدامة في صلب النقاش متابعة:
في سياق مهني يتسم بتزايد التحديات المرتبطة باستدامة الموارد البحرية، احتضنت غرفة الصيد البحري المتوسطية بطنجة، يوم الجمعة 27 مارس 2026، أشغال دورتها الأولى للجمعية العامة برسم السنة الجارية، في لقاء اتخذ طابعاً استراتيجياً بامتياز، جمع مختلف الفاعلين المؤسساتيين والمهنيين تحت سقف واحد، لمساءلة واقع القطاع واستشراف آفاقه.
وترأس أشغال هذه الدورة السيد منير الدراز، رئيس الغرفة، بحضور ممثلي مؤسسات محورية في تدبير القطاع، من بينها مندوبية الصيد البحري بطنجة، والمكتب الوطني للصيد، والمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، إلى جانب مهنيين وممثلي جمعيات مهنية وسلطات محلية، في مشهد يعكس أهمية الرهان المطروح على الواجهة المتوسطية.
حكامة داخلية ومصادقة بالإجماع
استهلت أشغال الدورة بالتأكد من اكتمال النصاب القانوني، قبل أن يتم المرور إلى المصادقة بالإجماع على محضر الدورة السابقة، ثم تقديم التقرير المالي لسنة 2025، والذي حظي بدوره بمصادقة جماعية بعد استعراض مفصل لمختلف مكوناته.
كما تم تقديم التقرير السنوي لأنشطة الغرفة، الذي أبرز حصيلة سنة حافلة، تميزت بعقد أربع دورات رسمية، والمشاركة الفعالة في معرض “أليوتيس”، إلى جانب مواكبة قضايا المهنيين والتفاعل مع مختلف الإشكالات المطروحة، في إطار دينامية تشاورية متواصلة.

معطيات علمية دقيقة… صورة مزدوجة للمخزون السمكي
شكل العرض العلمي الذي قدمه المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري لحظة مفصلية في أشغال الدورة، حيث كشف عن صورة متباينة لوضعية المخزون السمكي بالواجهة المتوسطية.
ففي الوقت الذي سجلت فيه الأسماك السطحية الكبرى تحسناً نسبياً، خاصة التون الأحمر الذي حقق إنتاجاً قياسياً بلغ حوالي 3700 طن خلال سنة 2024، مدعوماً برفع الحصص المسموح بها، برز تحسن ملموس أيضاً في مخزون سمك أبو سيف، بفضل إجراءات التهيئة المعتمدة منذ سنة 2017، وعلى رأسها منع الشباك العائمة.
في المقابل، دق العرض ناقوس الخطر بخصوص الأسماك السطحية الصغيرة، وعلى رأسها السردين، الذي يشهد تراجعاً حاداً في الكميات المفرغة، وانخفاضاً مقلقاً في الحجم المتوسط، في ظل معدل استغلال يتراوح بين 60 و63 في المائة، وهو مستوى يتجاوز بكثير عتبة الاستدامة، ما يضع هذه المصايد في دائرة الاستنزاف الحقيقي.
أما الأسماك القاعية، فقد كشفت بدورها عن اختلالات عميقة، حيث سُجل استقرار نسبي في مخزون الأخطبوط مع تحسن محدود، مقابل تدهور خطير في مخزون “البوراسي” الذي لا تتجاوز كتلته الحية 7 في المائة من مستواه الطبيعي.
وبخصوص القيمرون، فقد أظهرت المعطيات وضعية متوسطة في المتوسط، مقابل استغلال مفرط في بعض مناطق الأطلسي، خاصة العرائش، حيث يطغى صيد الأحجام الصغيرة.

غضب مهني وتحذيرات من الاستنزاف
النقاشات التي أعقبت العرض العلمي عكست حالة من القلق المتزايد في صفوف المهنيين، الذين نددوا باستمرار ظاهرة صيد صغار الأسماك وتسويقها بشكل علني، في خرق سافر للقوانين المنظمة، ما يهدد بشكل مباشر دورة تجدد المخزون السمكي.
وطالب المتدخلون بتدخل حازم للسلطات المحلية، عبر تكثيف المراقبة والتصدي للمتدخلين غير القانونيين، مع تفعيل صارم لآليات الردع، خاصة في ظل استمرار بعض الممارسات التي تقوض مجهودات الإصلاح.
كما شددوا على ضرورة إعادة النظر في تدبير فترات الراحة البيولوجية، باعتماد مقاربة مبنية على نوع السمك بدل المصايد، مع الدعوة إلى منع صيد بعض الأنواع الحساسة، وعلى رأسها “البوراسي”، خلال هذه الفترات، بشكل شامل في المتوسط والأطلسي.
الأخطبوط والصدفيات… بين الاستغلال والاحتراز
في محور آخر، أثار مهنيون إشكالية استنزاف الأخطبوط، داعين إلى مراجعة الإطار التنظيمي، خاصة عبر رفع الحجم التجاري القانوني إلى أكثر من 400 غرام، بما يضمن حماية صغار الأحجام وتمكينها من إتمام دورتها البيولوجية.
كما استأثر ملف الصدفيات بنقاش مستفيض، في ظل تزايد الضغط على مناطق الاستغلال، حيث دعا المهنيون إلى فتح مناطق جديدة وفق معايير علمية دقيقة، وإطلاق صيد تجريبي لصنف “البرير الصغير” بمنطقة تارغة-قاع اسراس.
غير أن المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري حذر من هشاشة هذا المخزون، الذي يتميز بتمركزه في نطاق جغرافي ضيق، ما يستدعي اعتماد مقاربة احترازية صارمة، قد تصل إلى تعليق الاستغلال مؤقتاً لتفادي أي اختلال بيولوجي.

مشاريع موازية وسلامة البحارة
وعلى المستوى التنموي، ناقشت الدورة مشروع إحداث متحف بحري بمدينة أصيلة، حيث أبدت الغرفة موافقتها المبدئية على دعمه، مع التحفظ بشأن المساهمة المالية المقترحة، مقابل الانخراط في تعبئة شركاء لتمويله.
كما تم الإعلان عن إطلاق عملية توزيع سترات النجاة لفائدة قوارب الصيد التقليدي، ابتداءً من 15 يونيو 2026، في خطوة تروم تعزيز السلامة البحرية وترسيخ ثقافة الوقاية داخل القطاع.

نحو قرارات مبنية على العلم
اختُتمت أشغال الدورة بالتأكيد على ضرورة تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتكثيف اللقاءات التقنية مع المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، لضمان اتخاذ قرارات مبنية على معطيات علمية دقيقة، قادرة على تحقيق التوازن بين الاستغلال والاستدامة.
وفي ختام هذا اللقاء، تمت تلاوة برقية ولاء وإخلاص مرفوعة إلى السدة العالية بالله صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، تأكيداً على تجند مهنيي القطاع وراء التوجيهات الملكية الرامية إلى حماية الثروة البحرية وتطوير الاقتصاد الأزرق.