البحر أنفو – 29/04/2026 في خطوة تحمل أكثر من دلالة على مستوى إعادة ترتيب قطاع الصيد البحري، شهد ميناء آسفي، يوم أمس الثلاثاء 28 أبريل 2026، انطلاقة عملية التصريح بمنتوج عشرات قوارب “السويلكة” في تحول عملي نحو إدماج نشاط ظل لعقود طويلة يشتغل خارج الإطار القانوني المنظم. هذه العملية لا تُقرأ فقط كإجراء إداري معزول، بل كجزء من مسار أوسع يستهدف تقنين الصيد التقليدي وإعادة إدخاله ضمن الدورة الاقتصادية الرسمية.
وتُعد قوارب “السويلكة” أحد أبرز مكونات الصيد الساحلي التقليدي، حيث يعتمد عليها عدد كبير من الصيادين في تأمين مورد رزق يومي، خاصة في المناطق التي تفتقر لبدائل اقتصادية. غير أن هذا النشاط، رغم أهميته الاجتماعية، ظل محاطًا بهشاشة قانونية واضحة، جعلت العاملين فيه خارج منظومة الحماية الاجتماعية، وحالت دون استفادتهم من برامج الدعم والتأهيل التي تتيحها الدولة لباقي مكونات القطاع.
في هذا السياق، يكتسي التصريح بمنتوج هذه القوارب أهمية خاصة، إذ يُشكل مدخلًا فعليًا لإدماج فئة واسعة من المهنيين ضمن النسيج المنظم، بما يفتح أمامهم آفاق الاستفادة من التغطية الصحية، وأنظمة التقاعد، فضلاً عن فرص التكوين وتحسين شروط العمل. كما أن هذه الخطوة من شأنها أن تُعزز الاستقرار المهني، وتُقلص من مظاهر الهشاشة التي ظلت تطبع هذا النشاط لسنوات.

من زاوية أخرى، يبرز البعد الاقتصادي لهذا الإجراء من خلال مساهمته في توسيع قاعدة المعطيات المرتبطة بالإنتاج البحري، وتحسين آليات تتبع وتثمين المنتوجات، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على شفافية المعاملات داخل الموانئ. كما يتيح ذلك للإدارة إمكانية مراقبة أفضل لأنشطة الصيد، بما يدعم جهود الحفاظ على الموارد البحرية ويعزز مقومات الاستدامة.
غير أن نجاح هذا الورش يظل رهينًا بمدى قدرته على تجاوز المقاربة الإدارية الصرفة، نحو مواكبة ميدانية حقيقية تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الصيد التقليدي. فالتحدي لا يكمن فقط في فرض التصريح، بل في إقناع المهنيين بجدوى الانخراط في هذا التحول، عبر توفير شروط ملائمة تضمن لهم الاستفادة الفعلية من الامتيازات الموعودة، دون إثقال كاهلهم بإجراءات معقدة أو كلفة إضافية.
ويرى متتبعون أن تقنين “السويلكة” قد يشكل نقطة انطلاق لإصلاح أعمق داخل قطاع الصيد التقليدي، يقوم على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات التنظيم وضرورة الحفاظ على الطابع الاجتماعي لهذا النشاط، الذي يشكل ركيزة أساسية في اقتصاد العديد من المجتمعات الساحلية.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر فقط بتسوية وضعية قانونية لقوارب صغيرة، بل بإعادة إدماج حلقة كاملة داخل منظومة الصيد البحري، في اتجاه بناء قطاع أكثر شفافية وعدالة واستدامة، قادر على التوفيق بين متطلبات الاقتصاد وحماية الفاعلين الذين يشكلون عموده الفقري.