عاجل
2 مايو 2026 على الساعة 01:19

غرفة الصيد الأطلسية الشمالية تضع أسس إصلاح اجتماعي للقطاع…الصحة والتأمين والسلامة أولاً

البحر أنفو – 02/05/2026 في الدار البيضاء، لم يكن اجتماع الجمعية العامة لغرفة الصيد البحري الأطلسية الشمالية مجرد محطة تنظيمية عادية، بل تحول إلى لحظة مكاشفة حقيقية مع واقع قطاع يرزح تحت ضغط التحديات الاقتصادية وتقلبات الموارد البحرية. دورة انعقدت وفق مقتضيات القانون رقم 4/97 لكنها تجاوزت الإطار القانوني نحو مساءلة عميقة لأسس الحكامة داخل منظومة الصيد البحري.


أولى الرسائل القوية التي خرجت بها الأشغال، أن “العنصر البشري” لم يعد مجرد رقم في معادلة الإنتاج. ملف التغطية الصحية للبحارة طُرح بحدة، ليس فقط باعتباره حقاً اجتماعياً، بل كشرط أساسي لاستمرار النشاط. فالبحّار الذي يواجه المخاطر يومياً في عرض البحر، لا يمكن أن يظل خارج منظومة صحية فعالة تضمن له الكرامة قبل الحماية.
وفي نفس السياق، كشف النقاش حول التأمين البحري عن أعطاب عميقة في بنية الحماية الاجتماعية داخل القطاع. المهنيون لم يخفوا استياءهم من نظام يعتبرونه غير منصف، يحمّل البحار تبعات المخاطر دون أن يوفر له شبكة أمان حقيقية. الرسالة هنا كانت واضحة: لا استثمار بدون أمان، ولا أمان بدون منظومة تأمين حديثة تواكب تحولات المهنة.


أما السلامة البحرية، فقد خرجت من دائرة التوصيات النظرية إلى صلب النقاش العملي. فالحوادث لم تعد مجرد أرقام عابرة، بل مؤشرات على خلل بنيوي في التكوين والتجهيز. التوجه العام داخل الدورة شدد على أن الوقاية تبدأ من التكوين المستمر، وتمر عبر تحديث المعدات، وتنتهي بترسيخ ثقافة مهنية تعتبر السلامة أولوية لا تقبل التأجيل.
ولأن البنية التحتية تشكل العمود الفقري لأي نشاط اقتصادي، فقد حظيت الموانئ ونقط التفريغ بنصيب مهم من النقاش. الاختلالات المسجلة في التجهيزات والخدمات لم تعد خافية، وتأثيرها المباشر على جودة المنتوج ومردودية القطاع أصبح واقعاً ملموساً. هنا، ارتفعت الدعوات لتسريع وتيرة التأهيل، ليس فقط لتحسين الأداء، بل لضمان تنافسية القطاع في سوق دولية تزداد صرامة.


اللافت في هذه الدورة، هو التحول من خطاب تشخيصي إلى مقاربة عملية قائمة على ربط النقاش بالميدان. عرض الأشرطة التوثيقية حول وضعية بعض نقط التفريغ، والمشاركة في تظاهرات مهنية مثل معرض الموانئ بالجديدة، يعكسان توجهاً جديداً يسعى إلى بناء القرار على معطيات واقعية لا على تقديرات نظرية.
وفي خلفية كل هذه النقاشات، برز وعي جماعي بأن مستقبل الصيد البحري في المغرب لم يعد مرتبطاً فقط بحجم المصطادات، بل بمدى القدرة على صياغة نموذج تنموي متوازن. نموذج يوفق بين الإنتاجية وحماية الموارد، ويضع البحّار في قلب المعادلة بدل هامشها.


اختتام الدورة لم يكن تقليدياً بدوره، إذ حمل بعداً رمزياً من خلال تكريم عدد من الأطر المهنية التي تم تعيينها في مناصب مسؤولية. من بينهم عبد العالي لمودني الذي تولى مهام مدير التسويق والمندوب الجهوي لـ المكتب الوطني للصيد بآسفي، إلى جانب حياة بويضوضان التي عُينت مندوبة للصيد البحري بالمحمدية. خطوة تعكس توجهاً نحو ترسيخ ثقافة الاعتراف بالكفاءة، باعتبارها أحد مفاتيح الإصلاح الحقيقي.
في المحصلة، لم تعد معركة الصيد البحري اليوم تقنية فقط، بل أصبحت معركة حكامة واختيارات. بين منطق التدبير التقليدي ومنطق الإصلاح الجذري، يبدو أن الرهان الحقيقي هو القدرة على اتخاذ قرارات صعبة في الوقت المناسب. وكما يقول ميكيافيلي: الدول التي تتأخر في إصلاح أعطابها، تدفع الثمن مضاعفاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *