البحر أنفو – 07/05/2026 تحولت أزمة مياه الصرف الصحي في جبل طارق إلى واحدة من أكثر الملفات البيئية إثارة للجدل في منطقة البحر الأبيض المتوسط، بعدما كشفت تقارير ومعطيات بيئية استمرار تصريف المياه العادمة غير المعالجة مباشرة إلى البحر منذ عقود، وسط تحذيرات متزايدة من تداعيات صحية وبيئية خطيرة تهدد النظام البحري في المنطقة.
وبحسب تقارير محلية وبيئية، فإن الإقليم الذي يقطنه نحو 40 ألف نسمة لا يتوفر إلى اليوم على محطة متكاملة لمعالجة مياه الصرف الصحي، حيث يتم التخلص من المياه العادمة بشكل مباشر في البحر عبر شبكة صرف قديمة تعتمد على مياه البحر في نقل المخلفات، في وقت يتم فيه توفير مياه الشرب بواسطة محطات تحلية مستقلة.
وتستند السلطات المحلية في جبل طارق إلى ما تصفه بـ”قدرة البحر على التشتت الطبيعي” لتبرير استمرار هذا التصريف، خاصة في منطقة “أوروبا بوينت”، غير أن منظمات بيئية تعتبر هذا الطرح غير كافٍ علمياً، محذرة من تراكم آثار التلوث على المدى الطويل داخل المنظومة البحرية المتوسطية.
ويؤكد نشطاء بيئيون أن الأزمة لا تتعلق فقط بالمياه العادمة، بل تشمل أيضاً طرح نفايات صلبة ومخلفات بلاستيكية ومناديل مبللة تتراكم على الصخور والسواحل، ما يؤدي إلى اختلالات بيئية متزايدة تهدد الحياة البحرية والتنوع البيولوجي.
ويحذر خبراء البيئة من أن استمرار تصريف مياه الصرف غير المعالجة يساهم في تفاقم ظاهرة تكاثر الطحالب السامة، وتقليص مستويات الأكسجين في المياه، إلى جانب تعريض الكائنات البحرية والأسماك والثدييات البحرية لمواد كيميائية وملوثات خطيرة، فضلاً عن رفع احتمالات انتشار البكتيريا ومسببات الأمراض المقاومة للمضادات الحيوية.
ويرى مختصون أن خطورة هذه الأزمة لا تتوقف عند الحدود الساحلية لـجبل طارق، بل تمتد إلى كامل حوض البحر الأبيض المتوسط، الذي يعد من أكثر البحار هشاشة بيئياً بسبب الضغط السكاني والتلوث الصناعي والبلاستيكي المتزايد.
وتعود جذور هذا الملف إلى سنوات طويلة، حيث سبق لـمحكمة العدل الأوروبية أن قضت سنة 2017 بأن بريطانيا انتهكت القوانين الأوروبية المتعلقة بمعالجة مياه الصرف بسبب الوضع القائم في جبل طارق، غير أن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بعد “بريكست” قلّص من أدوات الضغط القانونية التي كانت متاحة للمفوضية الأوروبية.
وعلى مدى السنوات الماضية، تعثرت عدة مشاريع لإنشاء محطة لمعالجة مياه الصرف. ففي سنة 2018 تم إطلاق مشروع بشراكة مع شركات بريطانية، لكنه توقف بعد إفلاس إحدى الشركات المتعاقدة، قبل أن تعلن حكومة جبل طارق سنة 2025 عن منح عقد جديد يمتد لـ25 عاماً لشركة “Eco Waters” بهدف إنشاء محطة معالجة حديثة بمنطقة “أوروبا بوينت”.
ورغم انطلاق بعض الإجراءات التقنية والتحضيرية وتقديم طلبات التخطيط خلال سنة 2026، إلا أن المشروع لم يدخل بعد مرحلة التشغيل الفعلي، ما يعني استمرار تدفق المياه العادمة الخام إلى البحر دون تغيير ملموس على أرض الواقع.
كما فجرت الأزمة تبادلاً للاتهامات بين السلطات المحلية وشركات بريطانية مرتبطة بتدبير المياه، حيث تتحدث الحكومة عن “عقود من ضعف الاستثمار”، بينما تنفي شركات سابقة مسؤوليتها عن قطاع الصرف الصحي، مؤكدة أن مهامها كانت تقتصر على توفير المياه الصالحة للشرب فقط.
وفي السياق ذاته، تصاعدت الانتقادات السياسية والبيئية داخل الإقليم، بعدما وصفت المعارضة المحلية الوضع بـ”المحرج”، خاصة مع تسجيل تسربات وروائح كريهة قرب بعض المناطق الساحلية والسياحية، وما يرافق ذلك من تأثير مباشر على البيئة البحرية وصورة المنطقة.
ورغم ذلك، تؤكد السلطات الرسمية أن نتائج اختبارات جودة المياه في عدد من الشواطئ ما تزال ضمن المعايير المقبولة، وهو ما يثير جدلاً واسعاً بين الأرقام الرسمية والتحذيرات البيئية المتصاعدة، في ظل غياب منظومة حقيقية لمعالجة مياه الصرف.
وتؤكد منظمات بيئية دولية أن استمرار تصريف المياه العادمة غير المعالجة في البحر المتوسط يمثل تهديداً مباشراً للتنوع البيولوجي والأمن الغذائي البحري، داعية إلى فرض رقابة أكثر صرامة وتسريع تنفيذ مشاريع البنية التحتية البيئية قبل تفاقم الوضع بشكل يصعب احتواؤه مستقبلاً.
وتعيد هذه الأزمة إلى الواجهة النقاش حول مدى قدرة دول ومناطق حوض المتوسط على مواجهة التحديات البيئية المرتبطة بالتلوث البحري، في وقت يواصل فيه البحر المتوسط دفع ثمن التأخر في تطوير أنظمة فعالة لمعالجة مياه الصرف وحماية النظم البيئية الساحلية.