البحر أنفو – 21/12/2025 من صور إلى ليبيريا… حين منحت الخبرة المغربية للصناعة العُمانية جناحي العبور نحو العالمية متابعة:
لم يكن إبحار سفينة الصيد الحديثة من سواحل ولاية صور العُمانية في اتجاه غرب إفريقيا مجرد عملية تصدير صناعي، ولا حدثًا تقنيًا عابرًا في سجل بناء السفن، بل كان لحظة فارقة أعادت تسليط الضوء على حقيقة باتت راسخة في الميدان : الخبرة المغربية في الصناعات البحرية أصبحت قيمة استراتيجية عابرة للحدود، ورافعة حقيقية لأي مشروع يطمح إلى العالمية.
فالسفينة، المصنوعة من الألياف الزجاجية (فايبر جلاس) بطول 23 مترًا، والتي أنجزتها شركة فخر البحار للهندسة البحرية بولاية صور العمانية الضاربة في عمق التاريخ البحري وفق أعلى المعايير الدولية، لم تولد فقط من رحم الطموح العُماني، بل تشكّلت ملامحها النهائية بفضل مواكبة تقنية ومهنية مغربية دقيقة، رافقت المشروع من الفكرة إلى الإنجاز سواء على مستوى الخبرة الهندسية التي رافقت مراحل التصميم والبناء، ومن الحوض الصناعي إلى أعالي البحار.

الخبرة المغربية… شريك صامت في صناعة الإنجاز …وراء هذا الإنجاز البارز، برز الدور المغربي كأحد الأعمدة التقنية والبشرية التي أسهمت في إنجاح المشروع. فقد رافقت خبرات مغربية متخصصة مختلف مراحل بناء السفينة، من الجوانب الهندسية، إلى الحلول التقنية، وصولًا إلى الملاءمة العملية لظروف الاستغلال البحري. كما كانت الصناعة البحرية المغربية حاضرة بقوة في مرحلة تجهيز المركب، من خلال تزويده بعدد من الآليات والمعدات البحرية المتطورة، التي تستجيب للمعايير الدولية المعمول بها في السلامة، والمردودية، واستدامة الأداء. وهو ما أضفى على السفينة بُعدًا عمليًا إضافيًا، يعكس تلاقح التجارب وتكامل المهارات بين ضفتي الوطن العربي. هذا الحضور المغربي لم يكن شكليًا أو ظرفيًا، بل جاء امتدادًا لتراكم مهني طويل في مجالات بناء السفن، وتجهيزها، وتسييرها، وهو ما منح المشروع بعده الإقليمي الحقيقي.
ويؤكد خبير مغربي في الصناعات البحرية، في تصريح خصّ به هذا الروبورتاج، أن: «ما تحقق في هذا المشروع يُجسّد بوضوح المكانة التي بلغتها الخبرة المغربية في مجال الصناعات البحرية. نحن لا نتحدث عن تدخل تقني محدود، بل عن مواكبة شاملة، قائمة على تراكم مهني ومعرفة ميدانية عميقة، جعلت من السفينة نموذجًا يجمع بين الدقة الهندسية، والاعتمادية التشغيلية، والجاهزية الدولية».

طاقم مغربي يعبر القارات… واختبار ميداني ناجح ولأن الصناعات البحرية لا تُقاس فقط داخل المصانع، بل تُختبر في عرض البحر، فقد أُسندت مهمة نقل السفينة عبر رحلة بحرية طويلة من سلطنة عُمان إلى جمهورية ليبيريا إلى طاقم مغربي محترف، خاض عبورًا معقدًا عبر مسارات بحرية دولية، في تحدٍ حقيقي للجاهزية التقنية والبشرية.
رحلة أكدت مرة أخرى كفاءة البحّارة المغاربة في الملاحة الدولية، وإدارة الرحلات المعقدة العابرة للقارات، والتعامل مع مختلف الظروف البحرية، في انسجام تام بين الإنسان والتقنية، وبين الخبرة والتخطيط..رحلة لم تكن مجرد عبور جغرافي، بل شهادة حية على الجاهزية التقنية للمركب، وكفاءة الطاقم، وصلابة التخطيط في انسجام تام بين الإنسان و الألة.
استقبال رئاسي ورسالة ثقة دولية... وعند وصول السفينة إلى ميناء ليبيري، لم يكن المشهد عاديًا. فقد حظيت باستقبال رسمي وازن، تُوّج بحضور رئيس جمهورية ليبيريا، النجم الدولي السابق جورج ويا، في لحظة رمزية قوية، تعكس حجم الثقة التي باتت تحظى بها المشاريع البحرية القادمة من المنطقة، وتؤكد الاعتراف الدولي بجودة المنتوج الصناعي الذي شاركت الخبرة المغربية في صياغته.

خلاصة استراتيجية… المغرب وصناعة البحر : إن هذا الإنجاز، في عمقه، يتجاوز حدود شراكة عُمانية–إفريقية ناجحة، ليطرح سؤالًا استراتيجيًا ملحًا داخل المغرب: لماذا لا تتحول هذه الخبرة المغربية، التي تُصدَّر اليوم إلى الخارج، إلى قوة صناعية وطنية منظمة داخل الوطن؟
فالواقع الميداني يؤكد أن الكفاءات المغربية في الصناعات البحرية، من مهندسين وتقنيين وبحّارة، أصبحت مطلوبة دوليًا، وأسهمت في تطوير مشاريع كبرى خارج البلاد. وهو معطى ينسجم تمامًا مع الرؤية الملكية السديدة الرامية إلى تثمين الاقتصاد البحري، وتعزيز السيادة الصناعية، وبناء منظومات إنتاجية قادرة على خلق القيمة المضافة والتشغيل. وهو ما يفرض، اليوم أكثر من أي وقت مضى، على وزارة الصناعة والوزارة الوصية على قطاع الصيد البحري التعاطي بجدية ومسؤولية مع هذا الرصيد الوطني، عبر سياسات عمومية واضحة، واستثمارات مهيكلة، وتحفيزات ذكية، تجعل من الصناعات البحرية المغربية رافعة استراتيجية للتنمية، لا مجرد قطاع ثانوي.

ويأتي هذا المعطى في انسجام تام مع الاستراتيجية الملكية الرامية إلى تثمين الاقتصاد البحري، وتعزيز السيادة الصناعية، وبناء منظومات إنتاجية قادرة على خلق القيمة المضافة والتشغيل. وهي استراتيجية تفرض اليوم، أكثر من أي وقت مضى، الالتفات الجاد والمسؤول إلى الصناعات البحرية المغربية، باعتبارها رافعة استراتيجية حقيقية، لا مجرد قطاع مكمّل، لما تحمله من إمكانات واعدة في مجالات بناء السفن، وتجهيزها، وصيانتها، والصناعات المرتبطة بها.
سفينة واحدة أبحرت من صور إلى ليبيريا، نعم… لكن رسالتها كانت واضحة: حين تُحترم الخبرة المغربية، يصبح البحر مجالًا للسيادة والفرص، لا مجرد أفق بعيد.
