البحر أنفو – 12/06/2026 هجرة عكسية تربك العلماء.. لماذا تغادر أسماك البحر الأبيض المتوسط موائلها التقليدية؟
تكشف دراسات علمية حديثة عن تحولات غير مسبوقة في توزيع الكائنات البحرية بالبحر الأبيض المتوسط، حيث لم تعد الأسماك تستجيب للتغيرات المناخية وفق السيناريوهات التي توقعها العلماء لعقود. فبدل التوجه بشكل جماعي نحو الشمال أو إلى المياه الأعمق والأبرد، بدأت العديد من الأنواع البحرية تسلك مسارات هجرة معاكسة ومفاجئة، ما يطرح تساؤلات جديدة حول مستقبل النظم البيئية البحرية وأمن الموارد السمكية في المنطقة.
ويعد البحر الأبيض المتوسط من أكثر البحار تأثراً بالاحتباس الحراري على المستوى العالمي، إذ ترتفع درجة حرارة مياهه بمعدل يتراوح بين ضعفين وثلاثة أضعاف المعدلات المسجلة في المحيطات المفتوحة. هذا الواقع دفع الباحثين إلى توقع انتقال تدريجي للكائنات البحرية نحو مناطق أقل حرارة، غير أن المعطيات الميدانية الأخيرة كشفت عن مشهد أكثر تعقيداً.
تغير المناخ يعيد رسم الخريطة البيولوجية للمتوسط
اعتمدت دراستان حديثتان أنجزهما المعهد الإسباني لعلوم المحيطات ومركز المحيطات بجزر البليار على قواعد بيانات علمية ممتدة لعقود، ضمن برامج بحثية مدعومة من المفوضية الأوروبية والسلطات الإسبانية المختصة.
وأظهرت النتائج أن نحو نصف الأنواع البحرية المدروسة شهدت تغيرات واضحة في نطاق انتشارها الجغرافي خلال العقدين الماضيين، في مؤشر على أن التغير المناخي لم يعد مجرد عامل بيئي مؤثر، بل أصبح قوة رئيسية تعيد تشكيل الخريطة البيولوجية للبحر الأبيض المتوسط.
سمك أبو سيف.. موائل أكبر وفرص بقاء أقل
ركزت الدراسة الأولى، المنشورة في مجلة Progress in Oceanography، على تأثير الاحترار البحري في مناطق تكاثر سمك أبو سيف بغرب البحر الأبيض المتوسط، خاصة بالمناطق المحيطة بجزر البليار التي تشكل أحد أهم مواقع التفريخ لهذا النوع.
وكشفت الدراسة أن ارتفاع حرارة المياه أدى إلى تسريع نمو يرقات أبو سيف وتقديم موعد بداية التكاثر تدريجياً منذ سنة 2004، مما وسّع المجال الجغرافي الملائم لتطور المراحل الأولى من حياة اليرقات.
غير أن هذه النتيجة الإيجابية ظاهرياً تخفي تحدياً أكثر خطورة، يتمثل في الانخفاض المستمر لمستويات الكلوروفيل بالمياه السطحية منذ أواخر التسعينيات. ويعتبر الكلوروفيل مؤشراً أساسياً على وفرة العوالق النباتية التي تشكل الحلقة الأولى في السلسلة الغذائية البحرية.
وبذلك أصبحت يرقات أبو سيف تجد فضاءات أوسع للتفقيس والنمو، لكنها تواجه في المقابل بيئة أقل إنتاجية وغذاءً، ما قد ينعكس سلباً على معدلات بقائها واستدامة مخزوناتها الطبيعية مستقبلاً.
هجرات معاكسة للتوقعات العلمية
أما الدراسة الثانية، المنشورة في مجلة Ecological Indicators، فقد شملت 102 نوع من الأسماك واللافقاريات القاعية على امتداد الساحل الإسباني خلال الفترة ما بين 1994 و2019.
وأظهرت النتائج أن 42 نوعاً بحرياً غيرت توزيعها الجغرافي بشكل ملحوظ، لكن المفاجأة الكبرى تمثلت في أن نسبة مهمة من هذه الأنواع اتجهت نحو الجنوب والجنوب الغربي من البحر الأبيض المتوسط، أي نحو مناطق تشهد ارتفاعاً أكبر في درجات الحرارة.
هذا السلوك يناقض الفرضيات التقليدية التي كانت تفترض هجرة الأنواع البحرية نحو الشمال البارد، ويشير إلى وجود عوامل بيئية وإيكولوجية أكثر تعقيداً تتحكم في حركة الكائنات البحرية، من بينها توفر الغذاء، والتيارات البحرية، وطبيعة الموائل المناسبة للتكاثر والنمو.
سرعة التغير المناخي تحدد اتجاه الهجرة
ويرى الباحثون أن تفسير هذه التحولات يرتبط بما يعرف بمؤشر “سرعة تغير المناخ”، وهو مقياس علمي يحدد الاتجاه والمسافة التي ينبغي للأنواع قطعها للحفاظ على ظروفها الحرارية المفضلة.
وأظهرت الدراسة أن المناطق التي تسجل أعلى معدلات الاحترار هي نفسها التي تشهد أكبر تحولات في توزيع الأنواع البحرية، ما يؤكد وجود علاقة مباشرة بين التغير المناخي وإعادة انتشار الكائنات البحرية داخل الحوض المتوسطي.
وفي هذا السياق، تلجأ بعض الأنواع المحبة للبرودة، مثل سمك الصياد، إلى الهجرة نحو الأعماق البحرية حيث درجات الحرارة أقل، بينما تتجه أنواع أخرى أكثر تحملاً للحرارة نحو مناطق جنوبية جديدة بحثاً عن ظروف بيئية مناسبة.
تحديات جديدة أمام إدارة المصايد
وتحذر الأوساط العلمية من أن استمرار هذه التحولات قد يؤدي إلى تغييرات جوهرية في بنية المصايد السمكية وتوازن الأنظمة البيئية البحرية، خصوصاً بالنسبة للأنواع ذات القيمة التجارية المرتفعة.
ويرى الباحثون أن إدارة الموارد البحرية في البحر الأبيض المتوسط مطالبة اليوم بتبني مقاربات أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع الواقع المناخي الجديد، من خلال إدماج المؤشرات المناخية الحديثة والتحولات البيولوجية الجارية في خطط تدبير المصايد وحماية التنوع البيولوجي.
ومع تسارع وتيرة الاحترار البحري، يبدو أن البحر الأبيض المتوسط دخل مرحلة جديدة من التحولات البيئية العميقة، حيث لم تعد الأسماك تهاجر فقط بحثاً عن البرودة، بل أصبحت تعيد رسم خرائط وجودها وفق معادلات بيئية معقدة قد تعيد تشكيل مستقبل الثروة السمكية بالمنطقة خلال العقود المقبلة.