عاجل
28 يوليو 2025 على الساعة 12:12

واش عقلتوا على أسماك “الربوز” : من ظاهرة بيولوجية غامضة لسمكة منسية”إلى رهان صناعي واعد”مشروع وطني لتثمين الربوز…

البحر أنفو – 27/07/2025 “الربوز”… سمكة غامضة تغيّر ملامح الأطلسي المغربي: بين الانفجار البيولوجي والرهان الاقتصادي متابعة:
على عمق يتجاوز 200 متر قبالة السواحل الجنوبية للمغرب، تعيش سمكة صغيرة تعرف محليًا باسم “الربوز” (البécasse de mer)، لم تكن يومًا محورًا للنشاط البحري، لكنها منذ خريف 2016 تحولت إلى ظاهرة بيولوجية تستدعي اهتمامًا علميًا واقتصاديًا متزايدًا.

عودة غير متوقعة بعد أربعة عقود
هذه السمكة، التي لا يتعدى متوسط عمرها خمس إلى ست سنوات، شهدت انفجارًا عدديًا استثنائيًا. فقد سبق لها أن ظهرت بكثافة في سبعينيات القرن الماضي، قبل أن تختفي بشكل شبه كامل في الثمانينيات. اليوم، يتكرر السيناريو لكن بوتيرة أكبر وبامتداد جغرافي أوسع، من سواحل طرفاية إلى الداخلة وصولًا إلى الصويرة، ما أثار مخاوف مهنية وإدارية من تداعيات هذا الازدهار غير المسبوق.

إشارات بيئية مثيرة للقلق
الخبراء يرون أن هذه الوفرة المفاجئة قد تكون مؤشرًا على اختلالات بيئية في النظام البحري الأطلسي. إذ يمكن أن تعكس تغيرات في درجات حرارة المياه، أو ديناميات التيارات البحرية، أو حتى تراجع أعداد بعض الأنواع التقليدية، وهو ما قد يغيّر موازين السلسلة الغذائية البحرية.

استجابة سريعة: بحث علمي وتجربة ميدانية
أمام هذا الوضع، قررت وزارة الصيد البحري تمويل برنامج بحثي ضخم بلغت ميزانيته 18 مليون درهم، عهدت بتنفيذه إلى المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري (INRH). الهدف منه هو فهم ديناميات هذا المخزون الجديد، ودراسة تفاعله مع باقي الأنواع، مع تقييم إمكانيات استغلاله اقتصاديًا دون تهديد التوازن البيئي.

لهذه الغاية، تم استئجار سفينة الصيد “Junior”، المزودة بتقنيات متطورة (5110 حصانًا، سعة تخزين 1000 طن، نظام تبريد RSW)، لتنفيذ حملات صيد تجريبية. خلال خمسة أشهر، أنجزت 16 رحلة بحرية وجمعت أكثر من 13 ألف طن من الربوز، مع تسجيل إنتاجية قياسية بلغت 110 أطنان في الساعة في بعض العمليات.

بين البحث العلمي والطموح الصناعي
التجربة لم تقتصر على الصيد، بل شملت أيضًا تجارب لتثمين المنتوج وتطوير تقنيات تفريغ ومعالجة متقدمة، مثل النظام الدنماركي الذي تم تركيبه بميناء طرفاية. ورغم الصعوبات التقنية (حاجة ضخمة للمياه، خطر انسداد الضخ)، فقد نجحت الفرق في رفع وتيرة التفريغ إلى 33 طنًا في الساعة.

معطيات بيولوجية دقيقة
الأبحاث أظهرت أن غذاء الربوز يعتمد أساسًا على الكربيات (Copépodes) واليرقات القشرية، ما يقلل من احتمال وجود منافسة مباشرة مع الأنواع السطحية مثل السردين. لكن ذلك لا يمنع أن الظروف التي تسمح بازدهاره قد تكون غير مواتية لتكاثر الأنواع الأخرى.
كما كشفت التحاليل عن موسمين رئيسيين للتكاثر (يونيو وديسمبر)، مع تمركز البيوض واليرقات في مياه دافئة (19-20°) قبالة الداخلة، حيث تتقاطع تيارات غنية بالبلانكتون بسبب ظاهرة الـUpwelling.

تحديات مستقبلية: استغلال أم مراقبة؟
رغم أن هذا المخزون الضخم (تجاوز 2 مليون طن في 2016) مثل فرصة اقتصادية محتملة، إلا أن السؤال الذي طرح هو: هل يجب تسريع استغلاله صناعيًا، أم الاكتفاء بالمراقبة العلمية لتفادي أي اختلال بيئي أكبر؟
المعهد أكد أن دراسات إضافية ضرورية لفهم علاقة هذه الظاهرة بتغيرات مناخية أوسع، خاصة أن التوزيع الجغرافي والسلوكات البيولوجية للربوز ما زالت غير ثابتة.

الربوز“… من فائض بيولوجي إلى مورد استراتيجي: كيف خطط المغرب لتحويل سمكة منسية إلى رافعة صناعية وغذائية؟
على عمق المحيط الأطلسي الجنوبي، تسبح ملايين من أسماك الربوز، التي كانت تُعتبر قبل سنوات مجرد ظاهرة بيولوجية عابرة. اليوم، تتحول هذه الكتلة الحيوية الضخمة إلى محور اهتمام وطني، ليس فقط بسبب تأثيرها البيئي على النظام الإيكولوجي البحري، ولكن أيضًا لما تحمله من فرص اقتصادية وصناعية قد تغيّر ملامح قطاع الصيد بالمغرب.

من البحث البيولوجي إلى الرؤية الصناعية
بعد تسجيل انفجار أعداد الربوز منذ 2016، أطلق المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري (INRH)، بدعم من وزارة الصيد البحري، مشروعًا تجريبيًا بميزانية بلغت 18 مليون درهم. هدفه المزدوج هو فهم ديناميات هذا المخزون المفاجئ عبر دراسات علمية دقيقة، و اختبار إمكانيات استغلاله الصناعي والغذائي بما يحافظ على التوازن البيئي.

النتائج الأولية أظهرت أن الربوز غني بالبروتينات (58%) والدهون المفيدة (13%) وأحماض الأوميغا-3، وهو ما يجعله موردًا ذا قيمة غذائية عالية يمكن إدماجه في الصناعة الغذائية والبيوتكنولوجية.

تثمين متعدد الأبعاد: من الطحين والزيت إلى منتجات غذائية مبتكرة
 قاد المركز المتخصص في تثمين وتحويل منتجات البحر (CSVTPM) بأكادير سلسلة من التجارب الصناعية، نتج عنها إنتاج دقيق سمك عالي البروتين يصلح لتغذية الحيوانات المائية والبرية مع استخلاص زيوت بحرية ذات مؤشرات جودة مقبولة يمكن تطويرها نحو مكملات غذائية. والأكثر طموحًا: ابتكار 9 منتجات غذائية جديدة موجهة للاستهلاك البشري، مثل حافظات بالزيت (زيت الزيتون، زيت الأركان)، منتجات مدخنة، باتيه، ووجبات خفيفة مجففة.

اختبارات التذوق التي أجريت على عينة من المستهلكين أظهرت قبولًا مرتفعًا لهذه المنتجات، مما يعزز إمكانية تسويقها محليًا وتصديرها للأسواق المتجهة نحو الأغذية الطبيعية والمنتجات الغنية بالبروتين البحري.

البعد البيوتكنولوجي: صناعة مضافة القيمة
لم يقتصر المشروع على استغلال السمك كاملًا، بل شمل أيضًا الفضلات الناتجة عن التصنيع. فقد تم تطوير هيدروليزات بروتينية عبر عمليات إنزيمية متقدمة، أثبتت خصائص وظيفية قوية (قابلية الذوبان، استقرار الرغوة، احتفاظ بالماء والزيوت). نشاطات مضادة للأكسدة تجعلها مناسبة للصناعات الغذائية، الطبية، الرياضية، والتجميلية.

هذا التوجه قد يفتح للمغرب أبواب أسواق جديدة، خاصة سوق “الحلال” والمنتجات البيولوجية، مع تعزيز تنافسية وحداته الصناعية مقارنة بدول آسيوية وأوروبية تسيطر تقليديًا على هذا النوع من المكونات البحرية.

انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة
التقييمات الاقتصادية تشير إلى أن إدماج الربوز في سلاسل الإنتاج يمكن أن يرفع من استغلال قدرات مصانع دقيق وزيت السمك التي تعمل حاليًا بأقل من طاقتها (حوالي 60%). و يحسن نسب الربحية الصناعية من 22% إلى ما يقارب 30%، بل إلى 50% في حال تحسين جودة المعالجة. و يوفر مناصب شغل إضافية (34 وظيفة مباشرة لكل وحدة تحويل).

على مستوى الصيد، أظهرت الحسابات أن استغلال الربوز بواسطة سفن مغربية من نوع RSW يمكن أن يحقق عائدات صافية معتبرة، مع نسب ربح قد تصل إلى 10% عند تسويق المنتوج بأسعار معتدلة (ما بين 1200 و2500 درهم/طن حسب الموانئ).

ما بعد التجربة: هل يصبح الربوز موردًا استراتيجيًا؟
رغم المؤشرات الواعدة، يظل السؤال المطروح: هل سيُدمج الربوز رسميًا ضمن خطة وطنية للتثمين الصناعي المستدام؟ وكيف سيتجنب القطاع تكرار سيناريوهات الاستغلال المفرط التي عرفتها أنواع أخرى مثل السردين؟

الجواب يتوقف على وضع إطار تنظيمي صارم يوازن بين: حماية النظام البيئي، وضمان استدامة اقتصادية لوحدات المعالجة والصيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *