البحر أنفو – 01/08/2025 أزمة خلف في الأفق: مستقبل البحث العلمي البحري في المغرب على المحك متابعة : يُعد المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري (INRH) من المؤسسات العلمية الحيوية التي ساهمت لعقود في تأطير السياسة البحرية للمغرب، من خلال إنتاج المعرفة، وتقديم المشورة العلمية، وتتبع الثروات السمكية، ودعم القرار العمومي في مجال تدبير الموارد البحرية. غير أن هذا الصرح العلمي يجد نفسه اليوم أمام تحدٍّ بنيوي صامت، يتجلى في تسارع وتيرة تقاعد الأطر العلمية والتقنية، مقابل ضعف في تجديد الكفاءات وغياب رؤية واضحة لتعويض هذا الرأسمال البشري الاستراتيجي.
جيل من الخبراء يغادر… دون خلف
شهد المعهد خلال السنوات الأخيرة خروج عدد من الأطر العليا والكفاءات العلمية إلى التقاعد، من بينهم أسماء راكمت عقوداً من الخبرة الميدانية والمعرفة التقنية في تخصصات دقيقة كعلوم المحيطات، بيولوجيا الأسماك، تقييم المخزون، ورصد التغيرات المناخية في البيئة البحرية. ومع اقتراب مجموعة أخرى من الباحثين من سن التقاعد، تتزايد المخاوف من فراغ هيكلي قد يُضعف القدرة الوطنية على إنتاج المعرفة البحرية ذات الجودة والموثوقية.
ولا يتعلق الأمر فقط بعدد المتقاعدين، بل بطبيعة الخبرات التي تغادر، حيث أن عدداً من هؤلاء الأطر ساهموا في تأسيس قواعد البيانات المرجعية، وقيادة برامج الرصد البيولوجي، وتكوين أجيال من الباحثين داخل وخارج المؤسسة.
الحاجة إلى خلف… وتحفيز الاستمرارية
في ظل هذا الوضع، يبرز سؤال مُلح: أين هو الخلف؟ فالإقبال على التخصصات المرتبطة بعلوم البحار لا يزال محدوداً، والتوظيف داخل المؤسسة يُواجه صعوبات مرتبطة بمحدودية المناصب، والبطء الإداري، وأحياناً ضعف الجاذبية المهنية للقطاع البحثي مقارنة بالقطاع الخاص.
كما أن تحفيز الأطر الشابة على الاستقرار في هذا المجال يتطلب إعادة نظر في شروط الاشتغال، وأفق التطور المهني، والاعتراف المادي والمعنوي بالكفاءات، خاصة أن طبيعة البحث العلمي في المجال البحري تتطلب جهداً ميدانياً دائماً، والتزاماً طويل الأمد، وتكويناً مستمراً لمواكبة التحولات العلمية والتقنية العالمية.
تكريم الرصيد البشري… رسالة للأجيال المقبلة
إن غياب ثقافة التثمين والتكريم الرمزي والمعنوي للأطر العلمية المتقاعدة، ممن أفنوا سنوات عمرهم في خدمة المعرفة البحرية، يُسهم في ترسيخ صورة باهتة عن المآل المهني لهذا النوع من المسارات، ويؤثر سلباً على جاذبية المعهد كمؤسسة منتجة للمعنى والمستقبل.
ولعلّ رسائل التقدير والتكريم التي تُوجه في نهاية المسار المهني، ليست مجرد مجاملات، بل تُشكل جزءاً من هندسة الانتماء المؤسسي، وتعزز الإحساس بالاعتراف، وتشجع الأطر الجديدة على الانخراط بروح عالية.
البحث العلمي البحري… ركيزة سيادية
في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها محيط المغرب الإقليمي والبيئي، من تغيرات مناخية، وضغوطات على الموارد، وتحولات في الخريطة الجيوسياسية للثروات البحرية، يصبح الاستثمار في البحث العلمي البحري ليس خياراً، بل ضرورة سيادية.
فبدون معطيات علمية دقيقة، يصعب رسم سياسات صيد فعالة، وضمان استدامة الثروات، والرفع من تنافسية القطاع، والتفاوض الدولي حول حصص الصيد وفق رؤية مؤطرة بالمعرفة.
نحو خريطة طريق جديدة

المطلوب اليوم خطة استعجالية من أجل ضمان الانتقال السلس بين الأجيال داخل المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، تقوم على:
فتح باب التوظيف في تخصصات دقيقة وناشئة.
تحفيز الأطر الشابة على الاستقرار والبحث.
تعزيز الشراكات مع الجامعات والمعاهد العليا.
وضع برنامج وطني لتكوين الخلف العلمي في علوم البحار.
إرساء ثقافة مؤسساتية للاعتراف بالكفاءات وتكريم الخبرات.
فالمعهد ليس مجرد إدارة، بل ذاكرة علمية ومكون حيوي من منظومة الأمن البحري الوطني. وضمان استمراريته العلمية، هو استثمار في مستقبل الصيد البحري والمجال الساحلي والاقتصاد الأزرق المغربي.