البحر أنفو – 30/08/2025 مصيدة التناوب على حافة المجهول: السردين الغائب والبدائل المهددة متابعة: لم تعد مصيدة التناوب، التي كانت إلى وقت قريب جوهرة المخزونات السمكية المغربية وأحد أبرز مواقع السردين في العالم، على حالها. اليوم، يواجه البحارة واقعاً مختلفاً: غياب شبه كلي للسردين، والاكتفاء بما يتاح من أصناف بديلة مثل البوري وأحياناً الأسقمري.
غير أن هذا “الحل الاضطراري” لا يخفي حجم الأزمة التي باتت تهدد مستقبل المصيدة. إذ يعكس اختفاء السردين، ولو مؤقتاً، تراجعاً خطيراً في المخزون السمكي، ويطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة هذه المصيدة على الاستمرار في لعب دورها كخزان استراتيجي للأمن الغذائي البحري، ليس فقط على المستوى الوطني، بل حتى في السوق العالمية التي طالما صنفت السردين المغربي البيلتشارديس ضمن الأفضل والأكثر وفرة.
بدائل محدودة وآفاق غامضة
الاعتماد الحالي على البوري والإسقمري قد يمنح متنفساً آنياً للبحارة والمهنيين، لكنه يظل خياراً هشاً ومهدداً. فهذه الأصناف بدورها ليست في مأمن من الاستنزاف إذا ما استمر الضغط عليها دون استراتيجية مستدامة واضحة. وهنا يبرز السؤال الحارق: ماذا لو فقدت المصيدة أيضاً بدائلها ؟ وهل يمكن للسرادلية الاستمرار في نشاطهم في ظل ندرة متزايدة وموارد تتقلص يوماً بعد آخر؟

بين الحاضر والمستقبل
الوضع الراهن يفرض على السلطات الوصية، والفاعلين المهنيين، التفكير في إجراءات أكثر صرامة لحماية المخزون، من خلال ضبط مواسم الصيد، وتكثيف المراقبة، وتوسيع مجالات البحث العلمي لفهم التحولات البيولوجية التي يشهدها السردين. كما أن المسألة لم تعد محصورة في كونها أزمة قطاعية، بل أضحت جزءاً من معركة أوسع تتعلق بأمن غذائي وطني واستدامة بيئية.
يقول حسن، ربان أحد مراكب السردين، وهو يتأمل الشباك الفارغة: “كنا نعود في الماضي محمّلين بأطنان من السردين، أما اليوم فصرنا نطارد البوري والأسقمري فقط حتى لا نعود صفر اليدين. الوضع صعب، والمستقبل غير واضح.”

مهنة في مأزق
السرادلية، الذين ارتبط رزقهم بهذا الصنف البحري لعقود، يعيشون على وقع قلق متزايد. فالسردين لم يكن مجرد سلعة، بل كان عصب النشاط البحري ومصدر الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي لآلاف الأسر. ومع اختفائه، بات الاعتماد على البوري والأسقمري أشبه بسباحة في المجهول، إذ أن هذه الأصناف الأخرى نفسها معرضة للاستنزاف إذا استمر الضغط عليها دون خطة مدروسة.
بين التغيرات البيئية والاستغلال المفرط
الخبراء يربطون الأزمة بعوامل متداخلة: التغيرات المناخية، اضطراب دورات التكاثر، الهجرات البحرية، والاستغلال المكثف. كلها أسباب ساهمت في جعل المصيدة تفقد أهم ميزاتها. هذا التراجع لم يعد مجرد مسألة قطاعية، بل بات يشكل إنذاراً لمستقبل الأمن الغذائي البحري على المستوى الوطني.
إلى أين ؟ الأسئلة المطروحة اليوم:
هل نحن أمام أزمة عابرة في دورة حياة المصيدة، أم أمام بداية انهيار ممنهج لمخزون عالمي فريد ؟
وإذا استمر غياب السردين، ومعه تراجع البدائل، ما مصير السرادلية ؟
كيف ستتعامل السياسات العمومية مع هذا الوضع قبل أن تتحول المصيدة إلى ذكرى من الماضي ؟
الحاجة إلى تدخل عاجل
المطلوب اليوم ليس مجرد حلول ترقيعية، بل إستراتيجية شاملة تدمج البحث العلمي، مراقبة الصيد، وحماية البيئة البحرية. فالرهان يتجاوز الأرقام والإحصائيات، ليصل إلى مصير آلاف البحارة وأسرهم، وإلى سمعة المغرب كأحد أبرز الفاعلين في سوق السردين العالمية.
في غياب ذلك، قد نكون أمام بداية صفحة جديدة، أقل إشراقاً، في تاريخ مصيدة التناوب، حيث تحولت من مخزون وفير للسردين إلى ساحة مفتوحة للتساؤلات والمخاطر.
