البحر أنفو – 07/10/ 2025 تعيش صناعة تعليب السردين في أوروبا على وقع أزمة غير مسبوقة، بعدما بدأت رفوف المتاجر الفرنسية تخلو تدريجياً من علب هذا المنتج البحري الشعبي، الذي شكل لعقود جزءاً من المائدة الأوروبية اليومية.
المهنيون الفرنسيون دقّوا ناقوس الخطر، مؤكدين أن الندرة المتزايدة في السردين الطازج تهدد بانفجار الأسعار في الأسواق الأوروبية خلال الأشهر المقبلة.

ويرجع الخبراء السبب الرئيسي إلى التراجع الحاد في الكميات المصطادة بالمياه المغربية، التي تعد المزود الأول للسوق الفرنسية. فقد سجلت المصايد الوطنية انخفاضاً يقارب 40 % منذ سنة 2022، نتيجة التغيرات المناخية وارتفاع درجة حرارة المياه الأطلسية، مما أدى إلى هجرة أسراب السردين نحو أعماق أبعد، وصعوبة الوصول إليها من طرف أساطيل الصيد.
ويؤكد ممثلو الصناعات التحويلية في فرنسا أن أغلب الكميات المستعملة في معامل التعليب ببريطانيا وبريتاني مصدرها السواحل المغربية والبرتغالية، مشيرين إلى أن هذا الاعتماد الكبير جعل السلسلة الإنتاجية أكثر هشاشة أمام أي اضطراب بيئي أو تراجع في المصيد.
وفي ظل هذا الوضع، تحذر الكونفدرالية الفرنسية لمصنّعي معلبات السمك من احتمال تضاعف أسعار السردين الخام، ما سيؤثر مباشرة على أسعار البيع بالتجزئة، خصوصاً للمنتجات منخفضة التكلفة التي تستهلكها الأسر بكثرة.

شركات التعليب التاريخية مثل “شانسرال” و“غونيديك” تتحدث اليوم عن “استنزاف شبه تام للمخزون”، في حين تفكر بعض الوحدات في استيراد السردين من أمريكا الجنوبية كحل مؤقت، رغم أن هذا النوع يُعتبر أقل جودة من حيث النكهة والقيمة الغذائية.
وفي مواجهة الأزمة، يدعو خبراء المعهد الفرنسي لبحوث استغلال البحار إلى وضع آليات مشتركة لتدبير المصايد بين فرنسا والمغرب، تضمن استدامة المورد وتوازن السوق، خصوصاً أن السردين لم يعد مجرد منتوج غذائي، بل جزء من هوية gastronomique ترتبط بذاكرة البحر وثقافة الاستهلاك في الضفتين.
معطيات التراجع في مصيدة السردين بالمغرب
* وفق بيانات من الصناعيين والمنظمات المغربية، فإن كميات تفريغ أسماك السردين انخفضت من 965 ألف طن في 2022 إلى حوالي 525 ألف طن في 2024، أي تراجع يقارب 46 % خلال سنتين. * في قطاع الأنواع الاسماك السطحية الصغيرة بصفة عامة، سجّل المغرب انخفاضاً في الكميات المفروضة بنسبة قرابة 20 % حتى نهاية يوليو 2025 مقارنة بنفس الفترة من السنة السابقة. * في المناطق الجنوبية، أشار المعنيون إلى أن مخزون السردين انخفض بمعدل 41 % بين 2018 و2023، بينما الإنتاج الكلي للأسماك السطحية الصغيرة (pelagic) تراجع بنسبة حوالي 25 % في نفس الفترة. كما تذكر بعض المصادر أن مخزون الأسماك الصغيرة انخفض بـنسبة 36 %، مما يعكس ضغطاً كبيراً على موارد السردين ضمن هذا التصنيف.
تحليل الأسباب والآثار المحتملة
الأسباب المحتملة للتراجع
التغيّرات المناخية وارتفاع حرارة المياه السردين ككائن بحري حساس لدرجة حرارة المياه ومستوى الأكسجين، فمع ارتفاع حرارة المياه الأطلسية، تبتعد أسرابه إلى أعماق أبرد أو نحو مناطق أكثر ملاءمة، مما يصعّب عمليّة الصيد التقليدي.
الضغط على المصايد والصيد المكثف
يُشتكى من استهداف الأسماك صغيرة الحجم (juvéniles) وعدم الالتزام بفترات الراحة البيولوجية، إضافة إلى عمليات صيد غير منظمة أو غير مصرّح بها، مما يقلل من قدرة التجديد البيولوجي للمخزون. تغيّر النظام الغذائي وندرة العوالق (plancton)
السردين يعتمد على العوالق كمصدر غذائي رئيسي، وأي تراجع في الكميات الغذائية الدقيقة قد يؤثر مباشرة على النمو والبقاء. التغيّرات البيئية التي تؤثر على الإنتاج الأولي (العوالق) ستنعكس على مصايد السردين.
الهجرة والتوزع المكاني المتغير مع اختفاء الظروف الملائمة في بعض المناطق، تتحرك أسراب السردين نحو مناطق أبعد أو أعمق، ما يجعلها أقل وصولاً إلى أساطيل الصيد الساحلية.

الآثار المترتبة على المغرب
خفض إنتاج المصانع وتحويل العمل يُشير القطاع إلى أن نشاط بعض معامل التعليب انخفض إلى النصف أو شهد توقفات مؤقتة، بسبب نقص المادة الأولية.
تأثير على التصدير والموقع التنافسي العالمي المغرب، الذي يُعد من كبار المصدرين لمعالب السردين، بدأ يفقد حصته في بعض الأسواق، خاصة في أفريقيا، حيث انخفضت الصادرات إلى هناك بـ 30 % في 2024.
ضغوط اقتصادية واجتماعية محلية الميناء والمدن الساحلية التي تعتمد على النشاط البحري والتعليب تواجه مخاطر بطالة جزئية وزيادة الضغط على الأُسَر في هذه المناطق، لأن السلسلة بأكملها (الصيادون، المعامل، النقل) تتأثر.
ارتفاع الأسعار محلياً في الأسواق المغربية، وصل سعر الكيلوغرام إلى ما بين 20 – 25 درهم، وأحياناً حتى 30 درهم، مقابل ما كان يُباع سابقاً بسعر أقل بكثير ما بين (10–15 درهم تقريباً).
