البحر أنفو – 20/10/2025 اتفاق الصيد المغربي–الروسي: رؤية جديدة لشراكة بحرية تقوم على التشغيل، البحث، والاستدامة متابعة:
في مشهدٍ يعيد رسم ملامح التعاون البحري بين الرباط وموسكو، وقّع الجانبان المغربي والروسي اتفاقاً جديداً في مجال الصيد البحري، يُعد من أبرز النصوص الثنائية التي تجمع بين المنفعة الاقتصادية، والالتزام البيئي، والبعد العلمي الاستراتيجي.
ويمتد هذا الاتفاق لأربع سنوات، محدداً إطاراً قانونياً صارماً ومجالات عمل دقيقة، تُجسد إرادة مشتركة لتأسيس شراكة بحرية متوازنة، عنوانها: العمل المغربي، والعلم المشترك، والبحر المستدام.
أولاً : تشغيل الكفاءات المغربية على متن السفن الروسية
يشكل تشغيل اليد العاملة البحرية المغربية إحدى الركائز الأساسية في الاتفاق الجديد، حيث أُلزم الجانب الروسي بتشغيل بحارة مغاربة ضمن أطقم سفنه العاملة في المياه الأطلسية للمملكة.
هذه الخطوة ليست فقط دعماً اجتماعياً، بل رهاناً استراتيجياً على نقل الخبرة والتأهيل المهني، وتثمين الموارد البشرية الوطنية داخل فضاءات العمل البحري الدولي.
ومن المنتظر أن تستفيد موانئ الجنوب، خصوصاً الداخلة والعيون، من دينامية تشغيل جديدة ترافق هذا التعاون الثنائي.
ثانياً : تعاون علمي لتتبع النظم الإيكولوجية البحرية
الاتفاق يذهب أبعد من الصيد التجاري، ليؤسس لشراكة علمية بين المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري ونظيره الروسي، عبر برامج مشتركة لدراسة دينامية الموارد السمكية وتتبع التغيرات البيئية في النظم الإيكولوجية البحرية.
هذا التعاون يفتح الباب أمام بحث علمي تطبيقي يربط بين المعرفة الميدانية والخبرة التقنية، في أفق بناء قاعدة بيانات متقدمة حول الثروة السمكية المغربية.
ثالثاً : مكافحة الصيد غير القانوني والأنشطة غير المصرح بها
في انسجام مع التزامات المملكة الدولية، يُشدد الاتفاق على التحكم في أنشطة الصيد ومكافحة الممارسات غير القانونية وغير المصرّح بها وغير المنظّمة (INN).
ويُرتقب أن تُعزز هذه المقتضيات آليات المراقبة البحرية، من خلال تعاون استخباراتي وتقني بين سلطات البلدين، بما يحافظ على نزاهة المصايد المغربية ويضمن استدامة مواردها الحيوية.
رابعاً : احترام الحصص وضبط مجالات الصيد
الاتفاق الجديد يضع إطاراً صارماً لتحديد الحصص السنوية المسموح بصيدها، والمناطق الجغرافية المعنية بالنشاط البحري، مع احترام فترات الراحة البيولوجية.
ويُشكل هذا الجانب ركيزة أساسية في فلسفة التدبير المستدام، القائم على الاستغلال المنظّم والتوازن بين الاقتصاد والبيئة.
خامساً : تطوير سلاسل الدعم البحري – من الصيانة إلى التزويد

لا يقتصر التعاون المغربي–الروسي على الصيد فقط، بل يمتد إلى القطاعات الداعمة مثل:
الصيانة والإصلاح البحري،
التزويد بالوقود والمؤن (السوتاج)،
تفريغ المنتجات وتثمينها داخل الموانئ المغربية.
هذه المكونات تُعطي للاتفاق بعداً اقتصادياً تكاملياً، من شأنه أن يُعيد تنشيط البنية المينائية الوطنية، ويحول بعض الموانئ الجنوبية إلى محاور لوجستية رئيسية في غرب إفريقيا.
سادساً : تكوين وتبادل الخبرات
ينص الاتفاق أيضاً على برامج للتكوين البحري، تمنح بموجبها روسيا فرصاً دراسية وتداريب تقنية للطلبة والأطر المغربية في مؤسساتها البحرية.
وهو ما يُسهم في تعزيز القدرات الوطنية وخلق جيل جديد من الكفاءات القادرة على مواكبة التحول التكنولوجي في الصيد البحري العالمي.
اتفاق يتجاوز الصيد نحو شراكة استراتيجية
بهذا التوقيع، لا يقتصر التعاون المغربي–الروسي على مجرد اتفاق تقني لتقاسم المصايد، بل يتجسد كـتحالف استراتيجي متعدد الأبعاد، يجمع بين التشغيل والتنمية، بين الاقتصاد والعلم، وبين حماية البحر واستثمار خيراته.
إنه اتفاق يُعيد صياغة العلاقة البحرية بين البلدين على أساس الاحترام المتبادل، والمصلحة المشتركة، والمسؤولية البيئية.