البحر أنفو – 06/11/2025 عودة المغرب إلى البحر.. بداية إعادة بناء أسطول وطني يعيد الاعتبار للسيادة البحرية متابعة:
تبدو إعادة تشكيل الأسطول البحري التجاري للمغرب اليوم أكثر من مجرد مشروع تقني أو خطوة ظرفية. فهي تعكس تحوّلاً استراتيجياً في الوعي الوطني تجاه البحر، وتؤسس لمرحلة جديدة حيث يصبح النقل البحري جزءاً مركزياً من منظومة السيادة الاقتصادية. تسجيل ناقلة نفط جديدة تحت اسم “PS Oufella” تحت العلم المغربي، ليس حدثاً عادياً؛ بل إشارة رمزية على انطلاق مسار فعلي لإحياء الحضور المغربي في الملاحة الدولية بعد عقود من الغياب.
هذا التحول يأتي في سياق عالمي مضطرب، تتغير فيه معالم طرق التجارة البحرية بعد توترات البحر الأحمر، وعودة كثير من الخطوط التجارية إلى الدوران عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعيد النقاش حول ضرورة امتلاك المغرب لأسطول وطني يحمي مصالحه ويُحصّن قدراته التجارية والاستراتيجية.
الخبير البحري نجيب شرفاوي، أحد أبرز المدافعين عن هذا التوجه منذ سنوات، يلفت النظر إلى وجود عمل بحثي ضخم تم إنجازه خلال عشر سنوات، يمتد على ألف صفحة، ويحلل تاريخ الأسطول المغربي منذ 1886 إلى 2040، ويحدد بوضوح تجارب انهيار وعودة هذا القطاع. لكنه يستغرب من تجاهل السلطات لهذا الإرث العلمي الجاهز، في وقت يكتفي فيه القانون المالي المقبل بإشارات مقتضبة حول الموضوع دون أن يترجم تلك الرؤية إلى سياسة عملية.
جوهر الإشكال بالنسبة للخبير ليس في غياب الأفكار ولا الدراسات، بل في غياب إرادة تفعيل ما هو جاهز. فالأسطول الوطني، وفق النموذج الاقتصادي المقترح، قادر على تمويل ذاته ذاتياً عبر حركة التجارة الوطنية (فوسفاط، محروقات، حبوب، أسمدة…) شريطة هيكلة سلاسل التمويل، وإشراك المالك الممول، والمستغل المشغّل، والدولة كضامن للمنظومة وليس كجهة ممولة مباشرة.
وإذا كان المغرب ينفق قرابة ملياري دولار سنوياً في فواتير النقل البحري الدولي دون مردود داخلي، فإن تحويل نفس الحجم إلى بناء واستغلال سفن مغربية يمكن أن يحدث فارقاً يتراوح بين نقطتين وست نقاط من الناتج الداخلي الخام. أكثر من ذلك، الانفتاح على أسواق غرب إفريقيا عبر الكابوتاج يجعل المغرب أمام فرص جاهزة وليست بحاجة إلى اكتشاف.
البعد البيئي حاضر كذلك بقوة في هذا التحول. فحماية الثروة البحرية المغربية، التي تقارن بأغنى المصائد العالمية، هي جزء من معركة السيادة نفسها. وتشديد المراقبة على ممارسات السفن الأجنبية في عمليات الغسل والتفريغ في عرض البحر، يعزز حماية موارد الصيد والسياحة والبحث العلمي.
اليوم، حين يتغير مناخ التجارة البحرية الدولية وتتحول الجغرافيا الاقتصادية لصالح الممرات الأطلسية، يصبح المغرب في موقع استراتيجي فريد؛ همزة وصل طبيعية بين المتوسط والمحيط، وبين إفريقيا وأوروبا وآسيا، مدعّماً بصعود شبكات طنجة-ميد وتحولات السوق العالمي.
ما يجري ليس مجرد لحظة عابرة. إنه بداية استعادة المغرب لمكانته البحرية التاريخية، وبناء قوة مادية ومعنوية قائمة على البحر… حيث يصبح الأسطول الوطني ليس فقط وسيلة نقل، بل أداة سيادة، استقرار، وقرار مستقل في عالم تتغير فيه قواعد النفوذ الاقتصادي عبر البحار أكثر من اليابسة.