البحر أنفو – 14/11/2025 المغرب يعيد هندسة مستقبل الصيد الساحلي: لقاء تشاوري ولحظة مفصلية تجمع الإدارة و المهنيين لوضع أسس التعاقد المهني ورؤية جديدة للعنصر البشري في سياق رهانات 2027.
في واحدة من أكثر المحطات حساسية في مسار الصيد الساحلي بالمغرب، التأم مهنيو القطاع داخل غرفة الصيد الأطلسية الجنوبية في لقاء تشاوري غير مسبوق، جمع بين صوت الإدارة ورأي الفاعلين الذين يعيشون الواقع اليومي للبحر. اجتماع حمل منذ لحظاته الأولى نَفَساً استثنائياً، لا بوصفه لقاءً عادياً، بل بوصفه جلسة عمل تؤسس لتحول عميق في العلاقة بين المجهز والبحار، ولانطلاقة مرحلة جديدة داخل أسطول الصيد الساحلي.
منذ الكلمة الترحيبية لمدير الغرفة بدا واضحاً أن السياق تغيّر، وأن الحوار لم يعد مجرد إجراء بروتوكولي بل خطوة عملية نحو بناء تعاقد اجتماعي مفتوح، خصوصاً بعد أن كشفت مؤشرات السنوات الأخيرة الحاجة الملحة إلى إعادة هيكلة مهام، أدوار، وحقوق مختلف المكوّنات التي تشكل شريان الأسطول الساحلي.
أول المداخلات، التي قدمها مدير التكوين السيد محمد احمّامو، أعادت تركيب صورة شاملة لمسار “اليوتيس”، الاستراتيجية التي شكّلت منذ 2010 العمود الفقري لتطوير القطاع. الأرقام التي حملها عرضه بدت كفيلة بتأكيد أن المغرب لم يدخل مغامرة الإصلاح عبثاً: تضاعف الناتج الداخلي القطاعي من 8,9 إلى 15,7 مليار درهم، صعود الصادرات من 13 إلى 30 مليار درهم، خلق أزيد من 60 ألف منصب شغل، وتعميم التغطية الاجتماعية على البحارة… مكاسب ضخمة، لكنها في نظر المتدخلين ليست نهاية المسار، بل قاعدة لانطلاقة أكبر عنوانها “الإنسان”. وهنا يبرز جوهر خطة الطريق 2025–2027، التي تعطي لأول مرة الأولوية المطلقة للعنصر البشري: تحسين ظروف العمل، حماية اجتماعية متقدمة، تأهيل مهني جديد، وتأسيس منظومة عقود واضحة تربط البحار بالمجهز في علاقة تحفظ الحقوق وتضمن الاستقرار.

وسط هذا السياق، جاء العرض القانوني المؤطر للتعاقد ليضع النقاش في مساره الحقيقي: الانتقال من علاقة عرفية غير مستقرة، إلى علاقة شغلية منظمة تحكمها مقتضيات قانونية واضحة. وربما كانت اللحظة الأكثر دقة هي مداخلة رئيس قسم رجال البحر، السيد عبد الله العسري، الذي فكك مضامين العقد المهني الجديد، مستحضراً خلاصات اللقاء الوطني الذي قادته الوزيرة بالدار البيضاء مع مناديب الصيد والمكتب الوطني للصيد.
السيد عبد الله العسري قدّم رؤية دقيقة حول ما ينتظر القطاع ابتداءً من 2027، سنة ستشهد بدء العمل بالحد الأدنى القطاعي للدخل البحري، وتنظيم بنود الخدمة في البحر، وفرض احترام شروط السلامة، وربط الحقوق بالواجبات في إطار قانوني مكتمل الأركان.
لكن قوة اللقاء لم تكن في المداخلات الرسمية فقط؛ بل في حرارة النقاش الذي قاده المهنيون. أصوات متعددة، بعضها متخوّف من صعوبة تنزيل التعاقد داخل المراكب الصغيرة، وبعضها الآخر يطالب بضمانات حتى لا تتحول الالتزامات الجديدة إلى عبء مالي، بينما ركزت فئة ثالثة على ضرورة أن تُمنح للمهنيين فرصة المشاركة المباشرة في صياغة المراسيم التطبيقية لضمان توازن العلاقة بين الطرفين. إجماع واحد كان واضحاً: القطاع في حاجة إلى التعاقد، لكن التعاقد يحتاج بدوره إلى ذكاء في التنفيذ، حتى يصبح أداة حماية وليس عامل توتر.

المعطيات الواردة في الملف الرسمي للّقاء كشفت حجم الورش الذي تشتغل عليه الوزارة. خطة الطريق 2025–2027 ليست برنامجا تقنياً، بل مشروعاً اقتصادياً واجتماعياً ضخماً يطمح لإحداث إضافة تقدر بـ3,6 مليار درهم في القيمة المضافة، وخلق 18 ألف منصب شغل جديد، وتأسيس 700 تعاونية بحرية، وتطوير منظومتين مهنيتين (إنترفدراليتين)، وإطلاق جيل جديد من برامج التكوين البحري، إلى جانب تسريع الرقمنة وبناء إدارة بحرية عصرية تستجيب للتحديات الجديدة للسوق العالمية.
وفي خلفية كل هذه التحولات، يظل سؤال الثروة البحرية قائماً: كيف يمكن الحفاظ على رصيد سمكي يعرف تقلبات مناخية وضغطاً متزايداً؟ وكيف يمكن للعنصر البشري أن يصبح جزءاً من الحل، لا جزءاً من الإشكال؟ هنا تراهن الدولة على مزيج من الحكامة، الرقمنة، تنظيم سلسلة القيمة، وتعزيز مراقبة الصيد غير القانوني، إلى جانب الاستثمار في البحث العلمي وإطلاق مشاريع جديدة في تربية الأحياء المائية.
اللقاء التشاوري لغرفة الصيد الأطلسية الجنوبية لم يكن مجرد مناسبة لتبادل الرأي، بل لحظة انتقال من مرحلة “التشخيص” إلى مرحلة “صياغة المستقبل”. فالقطاع اليوم يقف على عتبة تحول تاريخي، والتعاقد بين المجهز والبحار قد يكون – لأول مرة – الضمانة الحقيقية لاستقرار اجتماعي طال انتظاره داخل الأسطول الساحلي.
وبين وعود رؤية 2027 وأسئلة المهنيين، يبدو أن البحر مقبل على قواعد جديدة، وأن المغرب يتجه نحو نموذج بحري أكثر إنصافاً، أكثر مهنية، وأكثر قدرة على حماية ثروته وناس البحر معاً. وإذا كان اللقاء قد كشف شيئاً، فهو أن الإصلاحات الكبرى تبدأ من طاولة حوار صادقة، وأن الطريق إلى 2027 ستكون طريقاً لبناء جسر جديد بين الإدارة والمهنيين… جسر عنوانه: “التعاقد من أجل قطاع أقوى وإنسان بحر محمي”.
