عاجل
17 نوفمبر 2025 على الساعة 11:06

المغرب يرسم ملامح اقتصاده الأزرق: تربية الأحياء المائية رافعة جديدة للنمو والابتكار

البحر أنفو – 17/11/2025 المغرب يرسم ملامح اقتصاده الأزرق: تربية الأحياء المائية رافعة جديدة للنمو والابتكار متابعة:

يتجه المغرب بخطى ثابتة نحو ترسيخ حضوره كقوة إقليمية صاعدة في مجال تربية الأحياء المائية، في سياق تحولات عالمية كبرى تجعل من الاقتصاد الأزرق أحد أهم روافد التنمية المستدامة. ومع امتداد ساحل يفوق 3500 كيلومتر، وتنوع بيولوجي غني، وتنامٍ مستمر في الطلب الوطني والدولي على المنتجات البحرية، يضع المغرب هذا القطاع في قلب استراتيجيته الاقتصادية للسنوات المقبلة.

طموح وطني كبير… وإمكانات اقتصادية غير مستغلة

رغم أن الإنتاج الوطني الحالي في مجال تربية الأحياء المائية لا يتجاوز 3600 طن، إلا أن الدراسات والاستثمارات المنجزة أظهرت أن المملكة تمتلك قدرة إنتاجية هائلة، تسعى الدولة لرفعها إلى 300 ألف طن وإحداث 30 ألف فرصة عمل خلال العقد القادم.
هذه الأهداف ليست مجرد أرقام؛ بل تعكس رؤية استراتيجية تُسخّر فيها المملكة مقوماتها البحرية لتأسيس قطاع تنافسي قادر على خلق الثروة وتثمين الموارد والحفاظ على النظم البيئية.

وقد شملت المشاريع الحالية مجموعة متنوعة من الأنشطة، من تربية الأسماك والمحار والصدفيات، إلى الاستزراع الطحلبي والروبيان، مع دينامية قوية نحو إدماج أجيال جديدة من المنتجات ذات القيمة المضافة العالية.

إصلاحات تشريعية ومخططات دقيقة لتهيئة الفضاء البحري

خلال السنوات الأخيرة، اعتمد المغرب سلسلة إصلاحات همّت التهيئة المجالية، تحديث الإطار التنظيمي، وتيسير الولوج إلى الأحواض البحرية المؤهلة لتربية الأحياء المائية.
وقد أسفر ذلك عن تحديد المناطق الأكثر ملاءمة للاستثمار، ومنح 322 ترخيصاً لمزارع جديدة يُفترض أن ترفع الطاقة الإنتاجية إلى أكثر من 124 ألف طن سنوياً خلال المراحل المقبلة.

هذه المقاربة القائمة على التخطيط العلمي والتهيئة الدقيقة تعزز ثقة المستثمرين، وتفتح الباب أمام فاعلين محليين ودوليين للدخول في القطاع بآفاق واضحة ومساطر تنظيمية أكثر سلاسة.

طلب محلي متزايد وسوق عالمية تبحث عن منتجات مستدامة

يتنامى الاستهلاك الوطني للمنتجات البحرية بوتيرة مطردة بفضل النمو الديموغرافي والتحسيس المتواصل بالفوائد الصحية للغذاء البحري. وفي المقابل، تتسع الأسواق الدولية للمنتجات المستدامة، ما يعزز تموقع المغرب كمزوّد واعد قادر على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية.

وتُقدَّر فرص الاستثمار في القطاع بأكثر من مليار دولار خلال السنة الجارية، في وقت يشهد فيه العالم إقبالاً متزايداً على موارد غذائية ذات بصمة بيئية أقل.

شراكة استراتيجية مع البنك الدولي لبناء اقتصاد أزرق مقاوم للمناخ

يحظى قطاع تربية الأحياء المائية بدعم كبير من مجموعة البنك الدولي التي ترافق المغرب في مسار بناء اقتصاد أزرق قادر على مواجهة آثار التغيرات المناخية.
ويشمل هذا الدعم برنامجاً تمويلياً بقيمة 350 مليون دولار، إضافة إلى 5 ملايين دولار من صندوق PROBLUE متعدد المانحين، موجهة بالأساس لتعزيز:

الاستغلال المستدام للموارد البحرية

حماية السواحل واستعادة النظم الإيكولوجية

تقوية قدرات المؤسسات المعنية

استقطاب الاستثمار الخاص

وتطوير سلاسل إنتاج مستدامة وابتكارية

كما تقدم المرحلة الثانية من “برنامج الاقتصاد الأزرق في شمال أفريقيا” دعماً فنياً موجهاً إلى وكالة تنمية تربية الأحياء المائية (ANDA) يشمل إعداد منهجيات اختيار المواقع، تكوينات متقدمة لتربية الروبيان، وأبحاثاً تطبيقية لإرساء خارطة طريق وطنية لتطوير الاستزراع الطحلبي.

نماذج مغربية صاعدة… من الروبيان إلى الطحالب

بدأت مشاريع نموذجية تُبرز قدرة المغرب على تعزيز إنتاج مستدام وقابل للتوسع.
ومن بين هذه النماذج شركة VitaminSea Maroc التي تنتج حالياً حوالي 60 طن من الروبيان سنوياً، موجّهة بالكامل للسوق المحلية. ويؤكد مؤسسوها أن الاستثمار في بنية إنتاج متكاملة يمكن أن يرفع الطاقة السنوية إلى 300 طن، مع طموح لولوج الأسواق الإقليمية والدولية.

وفي مجال الطحالب البحرية، تُعد شركة SETEXAM أحد الفاعلين التاريخيين الذين استفادوا من دعم برنامج الاقتصاد الأزرق. وتعمل الشركة اليوم على تنويع منتجات الطحالب وتوسيع قاعدة زبنائها عبر التجارة الإلكترونية، في وقت تتزايد فيه قيمة الطحالب كمدخل لصناعات حيوية تشمل مستحضرات التجميل والأدوية والطاقة الحيوية.

فرص واعدة… وتحديات قائمة

على الرغم من دينامية القطاع، إلا أن الطريق نحو تحقيق الطموح الوطني ما يزال يواجه عدداً من التحديات، أبرزها:

محدودية القدرة الإنتاجية للحضانات ومحطات تزويد اليرقات

نقص في وحدات العلف المتخصصة

الحاجة إلى تعزيز سلاسل التخزين والتبريد

ضعف قدرات التحويل الصناعي

وتفاوت كفاءات اليد العاملة التقنية

غير أن الإصلاحات الجارية، إلى جانب تصاعد الاهتمام الدولي بالاقتصاد الأزرق، تشكل أرضية صلبة لمعالجة هذه الإكراهات.

الاقتصاد الأزرق… من رؤية إلى واقع يتشكل

بفضل التزام واضح، شراكات دولية قوية، واستثمارات تستند إلى رؤية طويلة المدى، يقترب المغرب من التحول إلى قطب إقليمي رائد في تربية الأحياء المائية.
فالتحول لا يقتصر على رفع الإنتاج وتحسين الصادرات، بل يشمل خلق فرص الشغل، حماية النظم البحرية، وتحويل المحيط إلى مصدر مستدام للثروة والابتكار.

إنه مستقبل أزرق يتشكل اليوم—حيث يصبح البحر ليس فقط مجالاً بيئياً غنياً، بل رافعة تنموية حقيقية تساهم في بناء اقتصاد resilient، متجدد، وشامل للأجيال المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *