البحر أنفو – 01/12/2025 يخيم هذه الأيام صمت ثقيل يشبه اللحظات التي تسبق الانفجار في أفلام هيتشكوك. فالموسم الشتوي 2026 ما زال غارقًا في الغموض، والمهنيون يعيشون حالة انتظار خانقة لقرار كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، قرار واحد قادر على أن يطلق الأسطول في عرض البحر… أو أن يبقيه مشدودًا إلى أرصفته بلا أفق.
على طول الموانئ، الجميع حائر: الربابنة، البحارة، المجهزون، الممونون. السؤال يتردد بلا انقطاع: إمتى الخروج ؟ فكل يوم يمر يزيد من توترهم، لأن الاستعداد للموسم ليس مجرد إجراء بسيط، بل عملية لوجستية معقدة تتطلب توفير خضر ولحوم ومواد غذائية وتجهيزات تقنية تكفي أحيانًا لرحلات تمتد لثلاثة أشهر أو أكثر، حسب الكتلة الحية داخل مصايد التهيئة جنوب سيدي الغازي. الموزعون بدورهم يعيشون ارتباكًا واضحًا، إذ لا أحد منهم يستطيع ضخ المؤونة دون إشارة رسمية، فالقرار المتأخر قد يعني خسائر لا يرغب أحد في تحملها.
وفي خلفية هذا المشهد المشحون، تواصل سفينة البحث العلمي الشريف الإدريسي عملها بهدوء لافت، كأنها جزء من حبكة غامضة. وجودها داخل المصايد في هذا التوقيت بالذات يزيد من حدة الأسئلة: هل ما زال تقييم المخزون غير مكتمل؟ هل هناك معطيات جديدة يجري التأكد منها؟ هل التأخير مرتبط بنتائج لم تُعلن بعد؟ لا شيء واضح، وكلما تأخرت السفينة في إنهاء مهمتها، تمدد الغموض أكثر.
ورغم كل هذا الضباب، اختارت عدد من السفن أن تستبق المجهول، فأنزلت الكارطون وبعض المستلزمات الضرورية في خطوة احترازية، كأنها تستعد لساعة قد تُعلن في أي لحظة. خطوة تعكس حجم القلق الذي يسري في الأرصفة، وتجسّد حالة الترقب التي لم يشهدها الموسم بهذا الشكل منذ سنوات.
وفي النهاية يبقى الجميع واقفًا عند نفس النقطة: انتظار كلمة حاسمة من الجهة الوصية. كلمة واحدة قادرة على إنهاء هذا التوتر الجماعي، وفك عقدة الغموض التي تخنق الموانئ، وفتح الباب أمام موسم طال تردده. وحتى ذلك الحين، تظل سواحل الجنوب تعيش على وقع مشهد هيتشكوكي بامتياز… مشهد لا يعرف أحد كيف سينتهي، ولا متى ستُطلق صافرة البداية.
و رغم أن القرار الأخير المحدد سلفًا يقضي باستئناف الصيد يوم 15 دجنبر 2025 بعد ثلاثة أشهر كاملة من الراحة البيولوجية، إلا أن هذا الموعد الذي يفترض أن يبعث الطمأنينة صار بدوره مصدر قلق للبحارة.
فتمديد الفترات البيولوجية عامًا بعد عام أصبح ينعكس بحدة على أوضاعهم الاجتماعية، إذ لم يعد موسم العمل يتجاوز في بعض الأحيان خمسة أشهر فقط. هذا التقلص الحاد في أيام البحر يحول حياة أسر بأكملها إلى معادلة صعبة، ويغرس شعورًا بالإحباط داخل العائلات البحرية التي لا مورد لها سوى ما يجود به العمل في أعالي البحار.
ولأن كل يوم راحة بيولوجية إضافي يعني يومًا آخر من القلق والضيق، يرى المهنيون أن حماية الثروة السمكية لا يمكن أن تستمر فقط عبر إغلاق المصايد، بل يجب أن تُوازيها محاربة جادة للصيد غير القانوني الذي يستنزف المخزون خلال فترات المنع. فالمنطقة تعاني منذ سنوات من ظاهرة الشامبريرات ومن قوارب تنشط خارج كل الأطر القانونية، ما يجعل أي مجهود تنظيمي يفقد جزءًا كبيرًا من أثره. لذلك يطالب المهنيون بوضوح لا يحتمل التأويل بتدخل حاسم من كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري لوضع حد لهذا النزيف.
ومن بين أولى الخطوات التي يعتبرونها ضرورية، تفعيل منظومة مراقبة حقيقية تعتمد على التكنولوجيا الحديثة، من خلال استعمال الدرونات، وإحداث نقاط مراقبة في كل قرية صيد، وتتبع نشاط الوحدات الصناعية بالمنطقة بشكل صارم لمنع تمرير الكميات غير المصرح بها. فبدون هذه الإجراءات، يظل أي تقليص لفترة الصيد القانونية مجرد عبء إضافي على البحارة، في حين أن المخزون يستنزف من جهات أخرى بعيدًا عن أعين المراقبة.
المهنيون اليوم لا يبحثون عن مواجهة مع البحر، بل عن عدالة في تدبيره… عدالة تعطي الراحة البيولوجية معناها الحقيقي، وتحمي مستقبل عائلات ارتبط مصيرها بموجات الجنوب العميقة.