عاجل
26 ديسمبر 2025 على الساعة 21:48

رياح معلّقة… صناعة طاقة بحرية أمريكية في مهب قرار سياسي مفاجئ

البحر أنفو – 26/12/2025 رياح معلّقة… صناعة طاقة بحرية أمريكية في مهب قرار سياسي مفاجئ متابعة:

وجدت صناعة طاقة الرياح البحرية في الولايات المتحدة نفسها، مع اقتراب نهاية العام، أمام واحدة من أعقد أزماتها منذ انطلاقها، بعد قرار مفاجئ للإدارة الأمريكية بتعليق أشغال خمسة مشاريع كبرى على الساحل الشرقي، في خطوة أربكت القطاع الطاقي ووضعت استثمارات بمليارات الدولارات في حالة انتظار، وخلقت حالة من القلق في أوساط آلاف العمال والشركات المرتبطة بهذه الأوراش الاستراتيجية.

القرار، الذي صدر يوم 22 دجنبر عن وزارة الداخلية الأمريكية، قضى بإصدار أوامر فورية بتوقيف الأشغال في مشاريع رياح بحرية ضخمة لا تزال قيد الإنجاز، بدعوى مخاوف تتعلق بالأمن القومي، استنادًا إلى تقارير مصنفة صادرة عن وزارة الدفاع. ويهم هذا التوقيف مشاريع كبرى من بينها Vineyard Wind 1 وRevolution Wind وCoastal Virginia Offshore Wind وSunrise Wind وEmpire Wind 1، وهي مشاريع تفوق استثماراتها الإجمالية عشرة مليارات دولار، وكانت مرشحة لتأمين الكهرباء لأكثر من مليوني منزل أمريكي.

وبررت الإدارة قرارها بكون توربينات الرياح العملاقة، بأبراجها المعدنية وشفراتها الدوّارة، قد تُحدث تشويشًا على أنظمة الرادار، ما قد يؤثر على دقة رصد الأهداف الجوية والبحرية، ويخلق قراءات مضللة في سياق أمني حساس. ورغم إقرار تقارير تقنية سابقة بإمكانية التخفيف من هذا التشويش عبر تعديلات تقنية، إلا أنها حذّرت في المقابل من أن هذه التعديلات قد تؤدي إلى فقدان القدرة على رصد أهداف حقيقية.

مشاريع في قلب الورش… وقرار في غير أوانه

ما زاد من حدة الصدمة داخل القطاع هو توقيت القرار، الذي جاء بينما كانت بعض المشاريع قد بلغت مراحل متقدمة جدًا من الإنجاز. فمشروع Revolution Wind، على سبيل المثال، كان قد تجاوز نسبة 80 في المائة من الأشغال، مع تثبيت جميع الأساسات البحرية وتركيب عدد كبير من التوربينات، كما حصل على عقود طويلة الأمد لتزويد ولايتي رود آيلاند وكونيتيكت بالطاقة.

أما مشروع Empire Wind، فقد كان بدوره في مرحلة متقدمة، بمشاركة مئات السفن وحوالي ألف عامل، وبمساهمة أكثر من مائة شركة في أشغال مدّ الكابلات والتركيب البحري، باستثمارات قاربت ثلاثة مليارات دولار. فيما كان مشروع Coastal Virginia Offshore Wind على بُعد أشهر قليلة فقط من بدء الإنتاج الفعلي، لتغذية مناطق حيوية تشمل منشآت عسكرية استراتيجية ومراكز بيانات كبرى.

وقد أنفقت شركة Dominion Energy سنوات من العمل لتشييد أول سفينة أمريكية متخصصة في تركيب توربينات الرياح البحرية، وفق القوانين البحرية الوطنية، في استثمار يُعد رمزًا لطموح الولايات المتحدة في توطين هذه الصناعة، قبل أن تجد نفسها اليوم أمام توقف قسري غير متوقع.

اعتراضات واسعة وتحذيرات من تداعيات خطيرة

القرار فجّر موجة انتقادات حادة من طرف الشركات الطاقية والنقابات العمالية والهيئات المهنية، التي اعتبرت أن جميع هذه المشاريع خضعت في السابق لمراجعات أمنية صارمة خلال إدارات متعاقبة، بما فيها الإدارة الأولى للرئيس ترامب وإدارة بايدن.

وحذرت هذه الجهات من أن تعليق المشاريع لا يهدد فقط آلاف مناصب الشغل، بل يضرب في العمق مصداقية مناخ الاستثمار في قطاع الطاقة الأمريكي، ويبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين، مفادها أن القرارات السياسية قد تعصف في أي لحظة بمشاريع طويلة الأمد.

كما نبهت شركات الطاقة إلى أن التوقف المطول قد ينعكس مباشرة على استقرار الشبكة الكهربائية، في وقت تعرف فيه الولايات المتحدة ارتفاعًا غير مسبوق في الطلب على الكهرباء، خاصة في ظل التوسع في الذكاء الاصطناعي والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

بين القضاء والسياسة… مستقبل غامض

يأتي هذا التطور في سياق قانوني وسياسي متشابك، خاصة بعد أن كان القضاء الفيدرالي قد أبطل، قبل أسابيع، توجيهًا سابقًا يقضي بتجميد شامل لتراخيص مشاريع الرياح، معتبرًا أن الإدارة لم تقدم مبررات قانونية كافية لتوقيف المساطر التنظيمية.

في المقابل، تواصل الإدارة الدفاع عن موقفها، معتبرة أن طاقة الرياح البحرية سترفع كلفة الكهرباء في ولايات الشمال الشرقي، وهو ما تنفيه الشركات المطورة، مستشهدة بأداء مشاريع مجاورة أثبتت قدرتها على توفير طاقة مستقرة وبأسعار تنافسية.

وبين رياح السياسة ومخاوف الأمن واستثمارات معلّقة، يجد قطاع الرياح البحرية الأمريكي نفسه عند مفترق طرق حاسم. فإما أن تنجح هذه المشاريع في تجاوز العاصفة السياسية الراهنة، أو أن يتحول هذا القرار إلى نقطة تحول تعيد رسم طموحات الولايات المتحدة في الطاقة البحرية النظيفة، بكلفة اقتصادية واجتماعية باهظة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *