البحر أنفو – 28/12/2025 على رصيف ميناء آسفي، لم يكن ما جرى يوم الثلاثاء الماضي مجرد إجراء إداري عابر، بل لحظة كاشفة سقطت فيها كثير من المسلّمات التي ظلّت تُسوَّق داخل القطاع لسنوات. ثمانية مراكب للجر البحري رست تباعًا بالميناء، لتصطدم بواقع مغاير لما اعتادت عليه في هذا التوقيت، حضور إداري كامل لمندوبية الصيد البحري، فرض من اللحظة الأولى منطق القانون والمسلك التجاري السليم.
مع رسو كل مركب، تم إلزامه بإفراغ حمولته فورًا، وتوجيه المصطادات مباشرة إلى سوق السمك للجملة، دون أي استثناء أو تأجيل. المراقبون نزلوا إلى عنابر المراكب، تفتيش دقيق، معاينة ميدانية، وتأكد صارم من خلو الشحنات من أي أصناف غير قانونية. وبعد أن تبيّن أن جميع المصطادات مطابقة للقانون، ولجت الأسماك السوق وخضعت للمزاد العلني في نفس الفترة المسائية.
سوق السمك للجملة بميناء آسفي فتح أبوابه مساءً، واشتغل بكامل مساطره، من الاستقبال إلى البيع، مرورًا بتسليم الوثائق الإدارية والكمبيالات، في زمن قياسي ودون أي ارتباك. في حدود منتصف الليل إلى الواحدة صباحًا، كانت العملية قد استُكملت بالكامل، في مشهد عملي دحض، بالفعل لا بالتصريحات، الخطاب الذي ظل يروّج لاستحالة فتح السوق في الفترة المسائية.
ما وقع مساء الثلاثاء الماضي لم يكن استثناءً تقنيًا، بل تجربة ميدانية أثبتت أن السوق قادر على التكيّف مع إيقاع العمل الحقيقي في الميناء، وأن الإشكال لم يكن يومًا في الزمن، بل في الإرادة. فقد أبانت العملية أن فتح السوق ليلًا لا يعرقل النشاط، ولا يربك الفاعلين، بل على العكس، يقطع الطريق على ممارسات ظلت تجد في إغلاق السوق فرصة للضغط على البحارة وفرض أثمنة مجحفة خارج أي منطق تنافسي أو شفاف.
وتزداد أهمية هذه الخلاصة مع اقتراب موسم صيد الأخطبوط، حيث ستنشط قوارب الصيد التقليدي وتفرغ مفرغاتها خلال فترات نهارية، ما يجعل فتح السوق في هذه الأوقات ضرورة مهنية لحماية جودة المنتوج وتثمينه. كما أن بواخر الجر، التي ستشتغل بدورها في هذا الصنف، لا يعقل أن تبقى رهينة الانتظار إلى الصباح، في وقت يمكن فيه تسويق المصطادات فور تفريغها، ضمن مسار واضح ومضبوط.
أما الأسماك الموجهة للتصدير، والتي غالبًا ما تُفرغ في أيام محددة، فيمكن إخضاعها لتنظيم زمني خاص، دون أن يشكل ذلك أي عائق تقني، ما دام الهدف هو احترام المسلك القانوني وضمان شفافية التداول داخل السوق.
في نظر المهنيين، ما جرى مساء الثلاثاء بآسفي شكّل لحظة فارقة، ليس فقط لأنه مكّن من تسويق المفرغات في وقتها الطبيعي، بل لأنه أعاد الاعتبار لدور الحضور الإداري الميداني في ضبط أنشطة الصيد البحري. فقد ثمّن الفاعلون في القطاع هذا الحضور، واعتبروه عنصرًا حاسمًا في ضمان ولوج الأسماك إلى مسارها الحقيقي والقانوني، بعيدًا عن كل أشكال الالتفاف والوساطة غير المشروعة.
الرسالة التي خرج بها المهنيون واضحة: حين تكون الإدارة حاضرة في الميدان، يربح الجميع. البحار يبيع منتوجه بثمنه الحقيقي، السوق يستعيد دوره التنظيمي، والدولة تضمن تتبع المصطادات داخل القنوات القانونية. وما وقع بآسفي ليس استثناءً يُحتفى به، بل نموذجًا عمليًا يمكن البناء عليه، متى تم التعامل مع الزمن كأداة تنظيم، لا كذريعة لتعطيل القانون.