عاجل
6 يناير 2026 على الساعة 15:17

تصادم قاتل في بحر الصين الجنوبي… حين تقود الإرهاق وتعطيل أنظمة السلامة إلى كارثة بحرية

البحر أنفو – 06/01/2026 تصادم قاتل في بحر الصين الجنوبي… حين تقود الإرهاق وتعطيل أنظمة السلامة إلى كارثة بحرية

كشفت التحقيقات الرسمية في حادث تصادم بحري مميت وقع في بحر الصين الجنوبي صيف سنة 2024 عن سلسلة خطيرة من الإخفاقات البشرية والتقنية، كان الإرهاق الشديد لأفراد الطاقم وتعطيل أنظمة الإنذار في صلبها، لتنتهي المأساة بمقتل بحّار وإصابة اثنين آخرين، وخسائر مادية وبيئية جسيمة.

ففي الساعات الأولى من صباح 19 يوليوز 2024، وعلى الساعة السادسة ودقيقتين، اصطدمت ناقلة المنتجات النفطية “Hafnia Nile”، المسجلة في سنغافورة، بالناقلة “Ceres I” الراسية شرق السواحل الماليزية، أثناء عبور الأولى محملة بحوالي 300 ألف برميل من مادة النفثا في اتجاه اليابان. وأسفر الاصطدام العنيف عن اندلاع حرائق على متن السفينتين، وضياع الحمولة والوقود، وسقوط ضحية واحدة في صفوف الطاقم.

إرهاق قاتل في قلب الجسر

التقرير النهائي الصادر عن مكتب التحقيق في سلامة النقل بسنغافورة، في 28 دجنبر 2025، صنّف الحادث ضمن “الحوادث البحرية الجسيمة جدًا”، مبرزًا أن ما وقع لم يكن نتيجة خطأ واحد، بل حصيلة تراكم اختلالات صغيرة تحولت في لحظات إلى كارثة.

وأظهر التحقيق أن ضابط المراقبة على متن Hafnia Nile كان قد التحق بالسفينة قبل ساعات قليلة فقط من الحادث، عقب رحلة جوية ليلية طويلة من كولومبو مرورًا بكوالالمبور. وبعد وقت محدود للاستقرار، تولى نوبة الحراسة الليلية من منتصف الليل إلى السادسة صباحًا.

وخلال فترة امتدت لـ38 ساعة ونصف قبل توليه الجسر، لم يحصل الضابط سوى على أقل من ساعتين من الراحة المتواصلة، بل قُطعت حتى هذه الفترة القصيرة بإجراء اختبار إنذار حريق غير معلن. وخلص المحققون إلى أن حالته الجسدية والعقلية، في الساعة الأخيرة من النوبة، كانت على الأرجح في أقصى درجات الإجهاد، ما أثر على اليقظة والتقدير السليم للمخاطر.

أنظمة إنذار صامتة

غير أن الإرهاق لم يكن العامل الوحيد. فقد تبين أن أنظمة الإنذار الرادارية الخاصة بتفادي الاصطدام على متن السفينة كانت إما معطلة أو مكتومة الصوت. فتنبيهات الاقتراب الخطر (CPA وTCPA) على رادار الحزمة S كانت مخفّضة، فيما جرى تعطيل إنذارات رادار الحزمة X بالكامل.

وهو ما اعتبره التقرير تجريدًا متعمدًا من “طبقة أساسية للحماية”، كان من شأنها تنبيه طاقم الجسر إلى خطورة الاقتراب من الناقلة الراسية وسفينة أخرى قريبة.

وفي لحظة حرجة، غادر ضابط المراقبة غرفة القيادة لإنجاز أعمال إدارية في غرفة الخرائط، تاركًا الدفة بيد بحّار واحد فقط، بينما كانت السفينة تعبر ممرًا ضيقًا لا يتجاوز 0.7 ميل بحري بين ناقلتين.

تحذيرات لم تكتمل

على متن Ceres I، رصد الطاقم السفينة القادمة من مسافة تفوق ستة أميال بحرية، واعتبر في البداية أن الخطر محدود. ومع تقلص المسافة، لجأ إلى الإشارات الضوئية وإطلاق البوق، دون محاولة التواصل عبر جهاز اللاسلكي البحري (VHF).

وكشف التحقيق أن نظام إدارة السلامة على متن السفينة لم يكن يوفر تعليمات واضحة حول كيفية التواصل مع السفن المقتربة في حالات الخطر أثناء الرسو، ما ساهم في تأخر رد الفعل.

تبعات قانونية وعقوبات دولية

وفي يوليوز 2025، وجهت السلطات السنغافورية اتهامات رسمية لاثنين من أفراد طاقم Hafnia Nile بموجب قانون الملاحة التجارية، من بينهم ضابط المراقبة الذي اتُهم بسوء تقدير المخاطر وفقدان الوعي الظرفي، إضافة إلى المراقب الذي لاحظ الاقتراب الخطير دون الإبلاغ عنه.

وعقب الحادث، أعلنت الشركة المشغلة مراجعة شاملة لإجراءات السلامة، شملت فرض فترات راحة إجبارية في الفنادق قبل الالتحاق بالسفن، ومنع الأعمال الإدارية على الجسر دون وجود طاقم مراقبة كامل، وتنفيذ عمليات تفتيش مفاجئة على السفن طيلة سنة 2025.

من جهة أخرى، فرضت الولايات المتحدة في دجنبر 2024 عقوبات على ناقلة Ceres I، في إطار حملة أوسع تستهدف السفن المتورطة في نقل النفط الإيراني الخاضع للعقوبات. واتهمت وزارة الخزانة الأمريكية السفينة، المملوكة لشركة مقرها هونغ كونغ، بالمشاركة في عمليات نقل واسعة للنفط الإيراني قرب سنغافورة مطلع 2024.

دروس قاسية من البحر

وأصدرت سنغافورة ثلاث توصيات رسمية للسلامة، دعت فيها إلى الإبقاء على إنذارات الرادار مفعّلة دائمًا، وتعزيز معايير تأهيل وتدعيم أطقم الجسور، وتوفير إرشادات واضحة للتواصل في حالات الاقتراب الخطير.

ويعيد هذا الحادث التذكير بحقيقة قاسية في عالم الملاحة البحرية: فحتى أكثر تقنيات الملاحة تطورًا تصبح بلا جدوى إذا غابت اليقظة، واستُنزفت قدرات البشر بالإرهاق، أو أُهملت أبسط قواعد السلامة… إذ قد تكون خطوة صغيرة، كترك الجسر لإنهاء بعض الأوراق، كافية لتحويل رحلة روتينية إلى مأساة بحرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *