البحر أنفو – 06/01/2026 الاستزراع المائي يزحف بقوة… هل يصبح السمك البري ترفًا نادرًا على موائدنا ؟
لم يعد السمك الذي نصطاده من أعماق البحار هو المصدر الأول لما نستهلكه من منتجات بحرية. فخلال السنوات الأخيرة، وبصمتٍ لافت، غيّر الاستزراع المائي ملامح الأمن الغذائي البحري عالميًا، إلى درجة بات معها السؤال مشروعًا: هل نحن مقبلون على زمن يصبح فيه السمك البري نادرًا، أو حكرًا على فئات محدودة؟
أرقام تُغيّر قواعد اللعبة
منذ أكثر من عقد، تجاوز إنتاج الاستزراع المائي نظيره من الصيد التقليدي، غير أن التحول الحاسم تأكد رسميًا عندما أعلنت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن سنة 2022 شهدت، ولأول مرة في التاريخ، تفوق تربية الأحياء المائية على الصيد البحري في إنتاج الحيوانات المائية.
وبلغ الإنتاج العالمي للاستزراع المائي 130.9 ملايين طن، منها 94.4 ملايين طن من الحيوانات المائية، أي ما يعادل 51% من إجمالي الإنتاج العالمي. أرقام لا تعكس مجرد تطور تقني، بل تحوّلًا بنيويًا في طريقة توفير الغذاء البحري للبشر.
مزارع السلمون… الوجه الأبرز للجدل
تُعد مزارع السلمون النموذج الأكثر إثارة للنقاش في هذا السياق. ففي المياه الباردة للنرويج، أكبر منتج عالمي، وكذلك في اسكتلندا وتسمانيا الأسترالية، تنتشر أقفاص عملاقة عائمة تشبه “مصائد دائمة” في عرض البحر.
وفي تسمانيا وحدها، تنتج المزارع نحو 75 ألف طن سنويًا، تمثل 90% من إنتاج البلاد. غير أن هذا النمو السريع لم يمر دون كلفة بيئية، إذ أعاد حادث نفوق مئات الأسماك ولفظها على شواطئ إحدى القرى الأسترالية مطلع 2025 النقاش إلى الواجهة، وصولًا إلى المستويات السياسية.
كلفة خفية للاستزراع المكثف
تتركز الانتقادات الموجهة للاستزراع المائي حول تلوث المياه، وانتشار الأمراض والطفيليات، وهروب الأسماك المستزرعة ومنافستها للأنواع البرية، فضلًا عن مخاطر التهجين الوراثي، وتدمير بعض الموائل البحرية، خاصة تلك التي تعتمد عليها الثدييات البحرية.
لكن خلف هذا الجدل البيئي، تبرز إشكالية أقل تداولًا وأكثر عمقًا: الاستزراع المائي نفسه يعتمد على الصيد البحري. فالسلمون، مثلًا، يُغذّى جزئيًا على دقيق وزيت مستخرجين من أسماك برية صغيرة كالسردين والأنشوفة، ما يعني أن جزءًا من الضغط على المخزون السمكي لا يُلغى، بل يُعاد توجيهه.
السمك البري… من غذاء شائع إلى سلعة نادرة
واقع الحال أن السمك البري أصبح، بالفعل، أقل حضورًا على موائد شريحة واسعة من المستهلكين، بفعل ارتفاع أسعاره وتراجع وفرة بعض أنواعه. ومع استمرار التوسع في الاستزراع المائي، لا سيما مع خطط دول كبرى مثل النرويج لمضاعفة إنتاجها بحلول 2050، يزداد الضغط على الموارد البحرية الطبيعية بدل أن يتراجع.
وفي ظل هذه المعادلة، يُرجّح أن لا يختفي السمك البري بالكامل، لكنه سيتحول تدريجيًا إلى منتج نخبوي، لا يقدر عليه إلا من يستطيع دفع ثمنه المرتفع، فيما يهيمن السمك المستزرع على الاستهلاك اليومي.
مفترق طرق للسياسات البحرية
لا يعني هذا التحول بالضرورة فشل الاستزراع المائي، بل يكشف الحاجة إلى إعادة التفكير في نماذجه. فبدون ضوابط بيئية صارمة، وبدائل حقيقية لأعلاف الأسماك، وحماية فعلية للمخزونات البرية، قد يتحول الحل إلى جزء من المشكلة.
إن مستقبل السمك البري لا يُحسم في عرض البحر فقط، بل في السياسات العمومية، واختيارات الاستهلاك، وقدرة الدول على التوفيق بين الأمن الغذائي وحماية التوازنات البيئية. فالسؤال لم يعد: هل سنأكل سمكًا؟ بل أي سمك، وبأي ثمن، وعلى حساب أي بيئة؟