عاجل
15 فبراير 2026 على الساعة 23:15

تقنين مرحلي لا منع مطلق… حقيقة قرار تصدير السردين بعيداً عن التضليل

البحر أنفو – 15/02/2026 قرار تنظيم تصدير السردين… بين ضرورات الأمن الغذائي وموجات التأويل المغرض متابعة:
لم يكن القرار القاضي بإخضاع تصدير السردين المجمد لنظام الترخيص المسبق مجرد إجراء إداري عابر، بل خطوة تنظيمية ذات حمولة استراتيجية أعادت ترتيب الأولويات داخل قطاع حيوي يمسّ صميم الأمن الغذائي للمغاربة. غير أن النقاش الذي رافق صدوره سرعان ما انزلق، في بعض تجلياته، من فضاء التحليل الرصين إلى دائرة التأويل المفرط، حيث اختلطت المعطيات التقنية بالانطباعات، وتقدّمت القراءات المجتزأة على حساب الفهم المتكامل للسياق.
القرار، الصادر عن كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري تحت إشراف السيدة زكية الدريوش، والمؤطر ضمن العدد 8454 من الجريدة الرسمية بتاريخ 26 يناير 2026، لا يتعلّق بإغلاق وحدات الإنتاج ولا بتجميد نشاط التحويل الصناعي كما روّج البعض، بل يهم حصرياً تنظيم وتقييد تصدير السردين في شكله المجمد، عبر آلية ترخيص مسبق ولمدة محددة. وهو تقييد يستهدف وحدات التجميد الموجهة للتصدير، دون أن يشمل نشاط تعليب السردين أو باقي المنتجات البحرية التي يظل تصديرها خاضعاً للقوانين الجاري بها العمل.
هذا التمييز الجوهري يكشف أن الأمر لا يتعلق بمنع الصيد أو تعطيل الدورة الاقتصادية، وإنما بإعادة ضبط بوصلتها في ظرفية دقيقة. فالمعطيات الميدانية والمؤشرات العلمية تشير إلى تراجع ملحوظ في مخزون السردين خلال السنوات الأخيرة، وهو تراجع انعكس على كميات المصطادات، وألقى بظلاله على تموين السوق الوطنية، ما أدى في فترات متفرقة إلى ارتفاع الأسعار، وأثر بصورة مباشرة على القدرة الشرائية للمواطن، لاسيما وأن السردين يُعدّ من أكثر الأنواع استهلاكاً لدى الأسر المغربية، ورمزاً لما يُصطلح عليه بـ”سمك الفقراء”.
من هذا المنظور، يندرج القرار ضمن منطق الأولوية الوطنية، حيث يُقدَّم تموين السوق الداخلي على متطلبات التصدير، في مقاربة توازن بين البعد الاقتصادي والواجب الاجتماعي. فالثروة البحرية ليست مجرد سلعة خاضعة لاعتبارات العرض والطلب في السوق الدولية، بل مورد استراتيجي يفرض تدبيراً عقلانياً يراعي الاستدامة ويحفظ حق الأجيال المقبلة. وعليه، فإن إخضاع التصدير لضوابط ظرفية لا يعني إغلاق الأفق أمام الفاعلين الاقتصاديين، بل إعادة ترتيبه بما يضمن استمرارية النشاط دون الإضرار بالتوازن الداخلي.
ولا تخفى الجرأة السياسية التي يتطلبها اتخاذ قرار من هذا القبيل، خاصة في قطاع يرتبط بسلاسل إنتاج وتصدير واسعة، وباستثمارات وبنيات صناعية قائمة. غير أن تدبير القطاعات الحيوية لا يُقاس بمدى شعبيته الآنية، بل بقدرته على حماية المصلحة العامة في المدى المتوسط والبعيد. وفي هذا السياق، يبرز القرار باعتباره ممارسة فعلية لمبدأ المسؤولية، وتغليباً لاعتبارات الأمن الغذائي على أي حسابات ظرفية أو ضغوط آنية.
في المقابل، فإن محاولات تصوير الإجراء على أنه استهداف لفئة معينة أو خطوة ارتجالية تفتقر إلى السند الموضوعي، تغفل عن حقيقة أن التدبير جاء استناداً إلى معطيات المخزون والسوق، وفي إطار آليات قانونية واضحة. كما أن تضخيم النقاش وتغذيته بقراءات مبتورة لا يسهم إلا في خلق مناخ من التشكيك، يربك الرأي العام ويصرف الانتباه عن جوهر المسألة: حماية مورد طبيعي يشكل ركيزة أساسية في المنظومة الغذائية الوطنية.
إن النقاش المهني المسؤول ينبغي أن يستند إلى بيانات دقيقة، وإلى قراءة علمية لتطورات المصيدة، بعيداً عن منطق الاصطفاف أو المزايدة. فالقطاع البحري، بما يحمله من رهانات اقتصادية واجتماعية، يحتاج إلى تضافر جهود الإدارة والمهنيين والخبراء، في إطار رؤية تشاركية تؤمن بأن الاستدامة شرط لاستمرار النشاط، وأن الوفرة لا تُدار بمنطق الاستنزاف بل بمنطق الحكامة.
وعليه، فإن القرار في جوهره ليس منعاً مطلقاً ولا توجهاً انكماشياً، بل تنظيم مرحلي قابل للمراجعة متى توفرت شروط الوفرة والاستقرار في المخزون، بما يسمح بتوجيه فائض حقيقي نحو التصدير دون المساس بحاجيات السوق الوطنية. فحين تستعيد المصيدة عافيتها، يمكن لآليات التصدير أن تعود إلى وتيرتها الطبيعية، وفق ما تمليه المؤشرات العلمية والاقتصادية.
يبقى الرهان اليوم في ترسيخ وعي جماعي بأن الثروة السمكية ليست مجالاً للتجاذب، بل أمانة وطنية تتطلب حكمة في التدبير وموضوعية في النقاش. وبين حرية التعبير وحق الاختلاف، يظل احترام المعطيات والابتعاد عن تضليل الرأي العام شرطاً أساسياً لبناء نقاش عمومي ناضج، يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *